غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٩ - المسألة الرابعة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه تصوير ذوات الأرواح
يعذب حتى ينفخ فيها و ليس بنافخ فيها ثم قال و هذا يدل بإطلاقه على تحريم تصوير ذوات الأرواح (مطلقا) و لا دليل على تحريم غيرها و هذا هو الأقوى انتهى و لكن لا يخفى عليك ما في دلالته على الحرمة من التأمل لأن مساقه مساق ما يفيد الكراهة الا ان يخرج مؤيدا في ذيل الأدلة الدالة على الحرمة
قوله و ارادة تجسيم النقش مقدمة للنفخ ثم النفخ فيه خلاف الظاهر
عرضه انه لو أريد بقوله ان ينفخ ما يساوى قولنا ان يجسمه ثم ينفخ فيه بان يراد باللفظ المعنيان الموضوع لهما لفظا التجسيم و النفخ كان مجازا مخالفا للظاهر
قوله و فيه ان النفخ يمكن تصوره في النقش بملاحظة محله بل بدونها كما في أمر الإمام (عليه السلام) الأسد المنقوش على البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة أو بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصّبغ
قد أشار (رحمه الله) في الجواب عمّا ذكره المستظهر في ذيل كلامه من كون اراده التجسيم ثم النفخ من لفظ النفخ الى منع استعمال اللفظ في هذا المجموع و انما استعمل في معناه الأصلي و بين في تصويره وجوها ثلاثة أحدها ان النفخ ممكن بملاحظة محل النقش يعنى المقدار من الجسم الذي هو مطابق للهيئة العارضة فلا حاجة الى استعمال اللفظ فيما زاد على معناه الأصلي ثانيها ان اللّه سبحانه قادر على ان يجعل ذلك النقش مجردا عن محلّه جسما قابلا لحلول الروح فيه كما جعل الصّورة المنقوشة على البساط في مجلس المأمون أسدا من دون ان ينفصل من جسم البساط جزء و انما انفصلت الصّورة الّتي هي النقش العارض فتجسمت أسدا فيمكن انّ اللّه سبحانه يجسم تلك الصّورة من دون مصاحبة شيء من معروضها كما في تجسيم الأعمال يوم القيمة مع كونها من قبيل الاعراض ثم يكلف المصور بنفخ الروح فاللفظ لم يستعمل إلا في نفس معناه الأصلي ثالثها ان تلك الصّورة عبارة عن الصّبغ الّذي هو اجزاء جسمية لطيفة فيكلف اللّه المصور ان ينفخ فيها الروح من دون حاجة الى أمر أخر و بهذا البيان ظهر الفرق بين الوجوه الثلاثة و ان الثاني مبنى على الإغضاء و الإغماض عن كون الصّبغ اجزاء جسمية
قوله فان ذكر الشمس و القمر قرينة على ارادة مجرد النقش
وجه كونه قرينة هو عدم تعارف جعل صورة مجسمة لهما و انما يصورونهما بالنقش على الأجسام و لا عبرة بما ذكر في بعض التواريخ من انه قد عمل بعض الحكماء في قديم الزمان جسما منيرا على هيئة القمر يعلوا الى الهواء و يضيء في البلد فان ذلك أمر اتّفاقي لم يسمع به أكثر الناس حتى يجعلوه موردا للسؤال عن الامام (عليه السلام) فتأمل
قوله فان المثال و التصوير مترادفان على ما حكاه كاشف اللثام عن أهل اللغة
لم أجد في كشف اللثام من هذا عينا و لا أثر إذ ليس فيه مما له تعلق بذلك الّا ما ذكره في شرح قول العلامة (رحمه الله) و الصّلوة في ثوب فيه تماثيل أو خاتم فيه صورة بقوله ثم ان ابن إدريس (رحمه الله) خصّص الكراهة بصورة الحيوانات قال في (المختلف) و باقي أصحابنا أطلقوا القول و هو الوجه لنا عموم النهى و لان المراد بذلك ترك الاشتغال بالنظر الى الصور و التماثيل حال الصّلوة و هو شامل للحيوان و غيره انتهى و قول ابن إدريس (رحمه الله) عندي قوي إذ لو عممت الكراهة لكرهت الثياب ذوات الاعلام لشبه الأعلام بالأخشاب و القصبات و نحوها و الثياب المحشوة لشبه طرائقها المخيطة بها بل الثياب قاطبة لشبه خيوطها بالأخشاب و نحوها و لأن الأخبار ناطقة بنفي الكراهة عن البسط و غيرها إذا قطعت رؤوس التماثيل أو غيرت أو كان لها عين واحدة و تفسير قوله تعالى يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ بتماثيل الشجر و نحوه و سئل محمّد بن مسلم الصّادق (عليه السلام) عن تماثيل الشجرة و الشمس و القمر فقال لا بأس ما لم يكن شيء من الحيوان روى ان خاتم ابى الحسن (عليه السلام) كان عليه حسبي اللّه و فوقه هلال و أسفله وردة ثم ظاهر الفرق بين الثوب و الخاتم بالوصف بالتماثيل و الصّور هنا و في النهاية و التحرير و المنتهى و كتب المحقق تغاير المعنى فقد يكون المراد بالصّور صور الحيوانات خاصة و بالتماثيل الأعم لتفسير الآية به كما سمعت و لورود خاتم فيه نقش هلال و وردة و احتمال ما فيه التماثيل في صحيح ابن بزيع المعلّم و لذا كرهه الشهيد (رحمه الله) في (الدروس) لكن في المعرب و المهمل اختصاص التمثال بصور أولي الأرواح و عموم الصور حقيقة و امّا تمثال شجر فمجاز ان صح انتهى و لكن في مفتاح الكرامة عن كشف اللثام انه قال فيه المعروف في اللغة ترادف التماثيل و التصاوير و الصور بمعنى التصاوير انتهى و حكى عن البحار انه قال فيها كلام الأكثر أوفق بكلام أهل اللغة فإنهم فسّروا الصورة و المثال و التمثال بما يعم و يشمل غير الحيوان لكن ظاهر إطلاق أكثر الأخبار التخصيص ففي بعض الروايات مثال طير أو غير ذلك و في بعضها صورة إنسان و في بعضها تمثال جسد ثم انه ساق أخبار أخر تدل على إطلاق المثال و الصّورة على ذي الروح ثم قال و قد وردت أخبار كثيرة تتضمن جواز عمل صورة غير ذي الرّوح ثم نقل عن المطرزي اختصاص التمثال بصورة أولي الأرواح و انه قال و اما تماثيل شجر فمجاز ثم قال و يوافقه كلام الصدوق (رحمه الله) في المقنع انتهى ما في مفتاح الكرامة
قوله و من المعلوم ان المادة لا دخل لها في هذه الاختراعات العجيبة فالتشبه انما يحصل بالنقش و التشكيل لا غير
لا يخفى ان مثل ذلك من قبيل الاعتبارات التي لا عبرة بها خصوصا مع معارضته بمثله إذ يمكن ان يقال ان المادة من حيث هي و ان كانت مما لا دخل له في هذه الاختراعات الا ان ما لا تجسم له لا استقلال فيه فهو تابع محض و حكاية صرفة لما خلقه اللّه تعالى بخلاف ما هو مجسم فإنه لاستقلاله مشابه لما خلقه اللّه تعالى و في عرضه فهو أظهر في كون إيجاده معارضة للخالق بإيجاد ما هو مستقل بنفسه كما ان ما أوجده اللّه تعالى مستقل بنفسه فافهم
قوله و ان كان ما ذكره لا يخلو عن نظر كما سيجيء
وجه النظر ما ستعرفه في كلامه (رحمه الله) إنشاء اللّه تعالى من انتفاء ما هو المناط في حرمة الصّورة من اعتبار القصد الى التشبيه و التصوير المنتفى فيما ذكره كاشف اللثام من الأمثلة
قوله خلافا لظاهر جماعة حيث انهم بين من يحكى عنه تعميمه الحكم لغير ذي الروح و لو لم يكن مجسما
الظاهر ان الضمير الذي هو اسم كان يعود إلى الصّورة فيكون حاصل هذا القول ان ذا الصورة أعم من ان يكون ذا روح أو غيره و ان الصورة أعم من ان يكون مجسما أو منقوشا على جسم و انّما استظهرنا عود الضمير إلى الصّورة لا الى المصور بالفتح لانه جعل مستنده ما دل على النهى عن تزويق البيوت و قوله (عليه السلام) من مثل مثالا (انتهى) و هما يفيدان إثبات النهي عن التصوير على الجسم فيفيدان التعميم من هذه الجهة دون التعميم من جهة كون المصور بالفتح مجسما كالإنسان أو غير مجسم كالجز و الملك مثلا و كيف كان فقد اقتصر (المصنف) (رحمه الله) في مقابل مختاره بذكر قولين كلاهما من شعب القول بالتحريم أحدهما ما عرفت و الأخر ما يذكره و محصلة التعميم في ذي الصّورة بالنسبة إلى الحيوان أو غيره و التقييد في الصّورة بكونها مجسمة و هناك قول ثالث لم يتعرض له و هو القول بالكراهة مع الجواز و قد حكى عن جماعة بل في المستند انه قيل انه الأشهر و مستند هذا القول الأصل و الروايات المعتبرة المرخصة في الجلوس و الوطي على الفراش المصورة و قال في المستند بعد اختيار القول بالحرمة ان الأصل مندفع بما مر يعني الأخبار التي استند إليها في التحريم و ان الروايات غير دالة لعدم الملازمة بين رخصة الجلوس و جواز العمل مع احتمال حملها على غير ذوات الأرواح و معارضتها بالموثق يجلس الرّجل على بساط فيه تماثيل فقال العجم تعظمه و انا لنمقته و زاد بعضهم التمسك في الحكم بالجواز بالعمومات القاضية بالسّعي في طلب الرزق بأي نحو كان و اختار بعض مشايخنا هذا القول مدعيا انّه المشهور و أجاب عن حجة القول بالتحريم أولا بأن فهم الأصحاب