غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٠ - القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا
التحريم مع عدم الظن هذا و الذي حكى عن كثير من القائلين بالتحريم انما هو عدم إلحاق الظن بالعلم للأصل و هو مبنى على عدم الالتفات الى خبر جابر أو على عدم الاستناد اليه لضعفه و منع صدق المعاونة مع الظن القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا
[القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا]
قوله (عليه السلام) لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنتم في هدنة
قال في الوافي أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يعنى بعد وفاته و استقرار أمر الخلافة و يبيّنه قوله (عليه السلام) أنتم في هدنة أي في سكون و مصالحة انتهى
قوله قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أصلحك اللّه
قد يتوهم بعض من لا خبرة له بمواقع الاستعمالات ان الدعاء للمعصوم (عليه السلام) بمثل هذا الكلام ناشىء من جهل المتكلم إذ لم يكن جميع أموره الا صلاحا لا يشوبه شيء من الفساد كما هو مقتضى العصمة و لكنه خطاء إذ ليس المراد به الدعاء لإصلاح أمور الآخرة بناء على عدم حصول الصّلاح فيها و صدور خلاف العدل منه (عليه السلام) العياذ باللّه و الا لم يمكن مقابلة خلفاء الجور بمثل هذا الكلام و قد كان من المتعارف مواجهتهم بقولهم أصلح اللّه الأمير إذ لو كان المراد به إصلاح حاله بمعنى تغيير حاله عن الجور و الظلم الى العدل و السداد لم يتمكن أحد من التكلم به في محضرهم و انما المراد إصلاح أمور سلطنته كما كان المراد ذلك عند مقابلة الخلفاء به و هو واضح بيناه لرفع جهل الجاهلين كما هو الشأن في كثير مما نشرحه
قوله و صريح الروايتين اختصاص الحكم بصورة قيام الحرب بينهم و بين المسلمين بمعنى وجود المباينة في مقابل الهدنة و بهما يقيد المطلقات جوازا أو منعا
تحرير المسئلة انه هل يخص حرمة بيع السّلاح على أعداء الدين بحال المحاربة بالفعل أو يعمه و ما إذا كان بينهم و بين المسلمين مباينة بمعنى عدم المصالحة و ان لم يتحقق المحاربة بين الفريقين كما لو كانوا بانين عليها متهيئين لها و كذا لو لم يتهيأوا لها لكن كان بحيث يحذر كلّ من الفريقين الأخر لعدم الصّلح أو يعمهما و ما إذا لم يكن بينهم و بين المسلمين مباينة أصلا بأن كان الزمان زمان المصالحة بين الفريقين الوجه هو الأوسط و هو المحكي عن ابن إدريس (رحمه الله) و (مختصر النافع) و (المختلف) و (التحرير) و (الدروس) و هو الذي يعطيه ظاهر عبارة الشرائع حيث قال و كل ما يفضى الى مصاعدة على محرم كبيع السّلاح من أعداء الدين لان البيع حال المباينة من شأنه الإفضاء إلى المساعدة لنا على ما اخترناه مقابلة المباينة بالهدنة في رواية الحضرمي الموصوفة بالصّحة في المستند و الحسن في الجواهر المفيدة لكون المناط هو حال عدم الصّلح و ان لم يتحقق المحاربة بالفعل الا مجرد كون من يباع عليه من أعداء الدين و امّا قوله (عليه السلام) في رواية هند السراج فإذا كان الحرب بيننا فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك فهو ظاهر في وقوع الحرب بالفعل الا ان رواية الحضرمي أظهر من جهة تضمنها لفظ المبانية و مقابلتها بالهدنة خصوصا بملاحظة حكمة الحكم الذي هو الحرمة فيحمل (الظاهر) على الأظهر ثم يكون هو مقيد الإطلاق المطلقات الواردة في المقام جوازا و منعا و من هنا يصحّ ان يحمل مكاتبة الصّيقل اشتر السيوف و أبيعها من السّلطان أ جائز لي بيعها فكتب لا بأس على صورة عدم المبانية حيث لم يقيد فيها بقيد المباينة و لا يقيد فعلية الحرب و كذا صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) حيث انه غير مقيد بشيء من القيدين و كذا رواية وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعلى (عليه السلام) المشتملة على أهل الحرب بان يقال ان المراد به من هو حربيّ ليس بينه و بين المسلمين صلح لا من هو محارب بالفعل و بهذا البيان يظهر ما في بعض ما وقع من (المصنف) (رحمه الله) في هذا المقام و ان كان مختاره هو ما اخترناه حيث فسر قيام الحرب بوجود المباينة في مقابل الهدنة و ذلك لان رواية هند السراج ليس صريحا بل ليس ظاهرا في مطلق المباينة بل هي ظاهره في فعلية الحرب فكيف يقول و صريح الروايتين الا ان يكون مراده (رحمه الله) ما ذكرناه بتقريب ان صريحهما بعد ضم إحديهما إلى الأخرى و يقيد بهما (حينئذ) سائر المطلقات لكنه في غاية البعد من عبارته
قوله مثل مكاتبة الصيقل
بيان للمطلقات الواردة في الجواز و المنع فالمكاتبة من قبيل ما دل على الجواز و ما بعدها من رواية على بن جعفر (عليه السلام) من قبيل ما دل على المنع لكن بالمفهوم و كذا الخبر الثالث اعنى ما في وصيته النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنه دل على المنع لكن بالمنطوق و (الظاهر) انه هو المراد بالبعض الذي يمكن دعوى ظهوره في التقييد بحال الحرب حيث انه (عليه السلام) عد من جملة العشرة بائع السلاح من أهل الحرب لا بايعه من مطلق الكفار أو أعداء الدّين و معلوم ان وصف أهل الحرب انّما يتحقق في حقهم إذا باشروا الحرب فيؤل الى بيعه في حال الحرب غاية ما هناك انّ المراد بالحرب هي المباينة بمعنى شأنية الحرب في مقابل الفعلية و هذا استعمال متعارف فيكتفون في إضافة أهل الحرب بالشّأنية و من هنا يظهر سقوط ما أورده بعض من تأخر على قوله مع إمكان دعوى ظهور بعضها في ذلك حيث قال ان دعوى ظهور الرّوايات الثلث في المباينة ليس في محله الّا ان يتكلّف في الأولى منها بان يقال ان المراد سلطان العامة و كان بينه و بين الامام (عليه السلام) صلح فلهذا اكتب (عليه السلام) في الجواب لا بأس لكن لا دلالة في اللفظ على ان النظر في نفى البأس الى هذا الذي ذكر فكيف يدعى الظهور و يقال في الأخيرة ان الظاهر من أهل الحرب ما يعم الذين لم يشتغلوا بالحرب مع وجود المباينة و الذين اشتغلوا
قوله فما عن حواشي الشهيد (رحمه الله) ان بيع السلاح حرام (مطلقا) في حال الحرب و الصّلح و الهدنة
(انتهى) و حكى إطلاق المنع عن جماعة منهم الشيخان و الديلمي و الحلبي و التذكرة و عن الشائع كما في المستند و في الجواهر انه ربما كان ظاهر المتن في وجه و استندوا في ذلك الى بعض النصوص كصحيحة على بن جعفر و خبر حماد بن انس في وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أورد (المصنف) (رحمه الله) على ما حكاه عن الشهيد (رحمه الله) أوّلا بأنه شبه الاجتهاد في مقابل النص لأنه أخذ بإطلاق ما أطلق فيه المنع و اعرض عن المقيد الذي هو نص في مقابل المطلق فالأخذ بالمطلق ليس اجتهادا لكنه في مقابل المقيد الذي أعرض عنه شبه الاجتهاد في مقابل النص و ثانيا بأن أصل دليله ضعيف لان مجرد بيع السلاح عليهم لا يستلزم تقويتهم (مطلقا) حتى في صورة الصّلح أو في صورة عدم قدرة الكافر على استعمال السّلاح أصلا لعدم معرفته بكيفية أو لعجزه و حكى في الجواهر عن بعضهم الاقتصار على اعتبار القصد و انه يحكم بحرمة البيع فيما لو قصد إعانتهم دون غيره و جعله الوجه الأخر في عبارة (الشرائع) و مستند هذا القول عدم صدق المعاونة في غير صورة القصد و لو مع قيام الحرب بالفعل و فيه ما عرفت الإشارة إليه من ان نصوص المسئلة ظاهرها شمول الحكم لما إذا لم يقصد البائع المعونة و المساعدة أصلا بل صريح مورد السؤال في روايتي الحكم و هند هو صورة عدم قصد ذلك فالقول باختصاص حرمة البيع بصورة قصد المساعدة ضعيف و حكى فيها (أيضا) قولا باعتبار قيام الحرب بالفعل و لعل مستنده ان ذلك ظاهر بعض الاخبار و بحمل المطلق على المقيد و قد عرفت في الاستدلال على ما اخترناه ما يدفع هذا القول و يوهن مستنده و حكى عن بعضهم اعتبار قيام الحرب و قصد المساعدة جميعا فإذا اجتمع الأمران حرم البيع و الا فلا حملا للنصوص على ذلك و لو لانه القدر المتيقن منها فيتمسك بالأصل و العمومات في غيره و فيه ان ذلك عدول عن ظواهر الاخبار و مقتضى الجميع بين مطلقها و مقيدها كما عرفت و ذهب صاحب الجواهر (رحمه الله) الى الحرمة مع أحد الأمرين من القصد و قيام الحرب قال (رحمه الله) و التحقيق ثبوتها بأحدهما اما مع القصد فلتحقق التعاون و امّا مع قيام الحرب فلما سمعته من النصوص التي يجب حمل إطلاق غيرها عليها و ربما علل (أيضا) بالإعانة و فيه منع صدقها مع عدم القصد خصوصا بعد كون المنهي عنه التعاون الظاهر في كون الفعل مقصودا للجميع و ان كلا منهم صار ظهيرا للآخر في وقوعه لا ان مجرد الاشتراك في شرائط وقوع الفعل يحقق الإعانة و الا لم يكن الاستقلال بالفعل من أحد ضرورة معلومية عدم كون الشرائط جميعا عنه و بذلك ظهر ان الحرمة في المقام مع عدم القصد انما هي من النصوص فالواجب (حينئذ) الاقتصار على خصوص المستفاد منها مع ملاحظة صلاحية الخبر باعتبار جمعه لشرائط الحجيّة و عدمها و لا يجوز التعدي إلى غيره كما وقع من بعضهم نعم