غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٩ - المسألة الثالثة يحرم بيع العنب ممن يعمله خمرا بقصد أن يعمله خمرا
التوقف على ما لا نهاية له و توجيهه ان يقال انه إذا منع إتيان الشراء بقصد تحصيل الشراء بقصد التخمير فلا طريق للمتوهم إلا بإثبات ان حصول كل ذي مقدمة موقوف على الإتيان بمقدمته بقصد التوصّل اليه و (حينئذ) يقال في دفعه ان ذلك مستلزم للتسلسل
قوله و من ذلك يعلم ما فيما تقدم عن حاشية الإرشاد من انه لو كان بيع العنب ممن يعمله خمرا اعانة لزم المنع عن معاملة أكثر الناس
و ذلك لما عرفت من ان الكلام انما هو في حرمة الإتيان بشرط الحرام توصلا اليه و ان المثبت للحرمة انّما يثبتها في خصوص الشرط المقيد بالقصد الى المشروط لا (مطلقا) و بيع العنب ممن يعمله خمرا اعانة على التملك الذي هو شرط التخمير المحرم بقصد الوصول اليه به و معاملات أكثر الناس ليست من قبيل الإعانة على شروط الحرام المأتي بها للوصول اليه
قوله ثم ان محل الكلام فيما يعد شرطا للمعصية الصّادرة عن الغير فما تقدم عن (المبسوط) من حرمة ترك بذل الطعام لخائف التلف مستندا الى قوله (عليه السلام) من أعان على قتل مسلم (إلخ) محل تأمل
لأنه ليس هناك شخص أخر قاصد الى قتل المسلم الجائع حتى يكون ترك خائف تلف ذلك المسلم لبذل الطعام من قبيل تحقيق مقدمة فعل الغير الذي هو محرم فليس هناك الا الترك المتحقق منه الذي هو بمنزلة السّبب لموته و لهذا استدرك تصحيح استدلال الشيخ (رحمه الله) بالحديث المذكور بإرادة الفحوى و تقريب ذلك انه إذا كان الإعانة على قتل المسلم الذي هي عبارة عن إيجاد المقدمة لفعل الغير الذي هو قتله محرمة فحرمة التسبب لموته بالطريق الاولى
قوله و لذا استدل في (المختلف) بعد حكاية ذلك عن الشيخ (رحمه الله) بوجوب حفظ النفس مع القدرة و عدم الضرر
يعنى لعدم تحقق فعل الغير هنا يكون فعل تارك بذل الطعام اعانة عليه و تسبب التارك بنفسه استدل بعد ذلك الاستدلال بوجوب حفظ النفس الذي لا يتم الا ببذل الطعام و يكون ترك بذله سببا لإتلاف النفس فينطبق الدليلان على مورد واحد
قوله و يشهد بذلك ما ورد من انه لو لا ان بنى أمية وجدوا من يجبى لهم الصّدقات
قال في المجمع يجبى لهم الفيء أي يجمع لهم الخراج و الجابي الذي يدور في الجبابة يقال جبيت الخراج جبايته و جبوته جباوة جمعته قاله الجوهري انتهى
قوله و هذا و ان دل بظاهره على حرمة بيع العنب و لو ممن يعلم انه سيجعله خمرا مع عدم قصد ذلك حين الشراء الا انه لم يقم دليل على وجوب تعجيز من يعلم انّه سيهمّ بالمعصية و انما الثابت من النقل و العقل القاضي بوجوب اللطف وجوب ردع من همّ بها و أشرف عليها بحيث لو لا الردع لفعلها أو ستمر عليها
لا يخفى ما في هذا الكلام من الحزازة لأن عدم الدليل انما يصحّ التمسّك به فيما لم يقم على خلافه دليل فعلى هذا بعد تسليم ان ظاهر الرواية يعطى حرمة بيع العنب في الصّورة التي ذكرها لا يبقى مجال للتمسك بأنه لم يقم دليل على وجوب تعجيز من يعلم انه سيهمّ بالمعصية و ان الثابت انما هو وجوب ردع من همّ بها و أشرف عليها نعم لو كان هناك دليل دال على عدم وجوب تعجيز من يعلم انه سيهمّ بالمعصية كان مقابلة ظاهر الرواية به وجيها فتدبر
قوله ثم ان الاستدلال المذكور
يعنى الاستدلال بوجوب رفع المنكر
قوله فالذم فيه انما هو على إعانتهم بالأمور المذكورة في الرواية
يعنى على خصوص إعانتهم مع كونهم ظلمة بارتكاب أفعال هي بأنفسها من قبيل الظلم المحرم أو غيره مما هو محرم كالايتمام بالفاسق المعادي لحجة اللّه تعالى
قوله و ان علم أو ظن عدم قيام الغير سقط عنه وجوب الترك
اعتبار الظن هنا مع كونه من قبيل الموضوعات مبنى على كونه من قبيل الأمور المستقبلة التي باب العلم فيها منسد غالبا و قد استقر بناء العقلاء على العمل بالظن في مثل ذلك الا ترى ان التاجر ينفذ بضاعته الى البلاد البعيدة لظن السّلامة
قوله فعلم مما ذكرناه في هذا المقام ان فعل ما هو شرط للحرام الصادر من الغير
هذا بيان لحاصل جميع ما تقدم
قوله ثم كل مورد حكم فيه بحرمة البيع من هذه الموارد الخمسة (فالظاهر) عدم فساد البيع لتعلق النهى بما هو خارج عن المعاملة اعنى الإعانة على الإثم أو المسامحة في الردع عنه
هذا الكلام إشارة الى ما هو من تنبيهات المسئلة فنقول انه على القول بالتحريم (مطلقا) أو في بعض صور التي ذكرها هل يحكم بفساد المعاملة أم لا وجهان فان كان مستند التحريم هو كون المعاملة في المفروض اعانة على الإثم أو كونها ناشئة من المسامحة في النهي عن المنكر و نحوهما فالوجه هو عدم فساد المعاملة بدلالة العمومات الناطقة بصحتها كعمومات صحة البيع و نحوها و ذلك لرجوع النهي (حينئذ) إلى أمر خارج عن العقد كالإعانة على الإثم و المسامحة في النهي عن المنكر و نحو ذلك و هو غير مفسد و ان كان مستنده خبر جابر و نحوه مما هو كالنص في الفساد فالوجه هو الحكم بالفساد و هذا القول قد يستظهر من بعضهم انه هو المشهور و قد يحكى دعوى الإجماع عليه من بعضهم و احتمل (المصنف) (رحمه الله) حقيقة هذا القول بناء على اشعار خبر تحف العقول بالفساد دون مجرد التحريم وحده من جهة اشارة سياقه الى ذلك ثم تأمل فيه نظرا الى ان لازم دلالة الخبر المذكور على الحكم بالفساد (حينئذ) هو انه إذا قصد المشترى وحده الفائدة المحرمة كالتخمير أو بيع الخمر في البيت أو حمل الخمر و نحو ذلك و لم يقصدها البائع و لم يعلم بقصد المشترى لزم الحكم بفساد البيع نظرا الى ان الفساد لا يتبعض فإذا فسد من جهة قصد المشترى الى الفائدة المحرمة فلا بد و ان يفسد البيع من أصله مع انهم صرحوا بعدم فساد البيع (حينئذ) فيكون ذلك شاهدا على عدم ارادة الفساد من التحريم في الخبر فيستكشف بذلك عن ان علم البائع لا اثر له في الفساد و (حينئذ) فيحكم في صورة اختصاص القصد بالمشتري بعدم فساد البيع (مطلقا) سواء علم البائع أم لم يعلم نظرا الى عدم العبرة بالعلم بمعنى عدم كونه مؤثرا في الفساد فان كنت لا تجترئ على الحكم بعدم الفساد (مطلقا) فلا أقل من إخراج صورة عدم علم البائع بقصد المشترى بخصوصها فتدبر ثم انه ينبغي تتميم البحث عن أصل المسئلة بالتنبيه على أمرين الأول انه قد حكى عن الشيخ (رحمه الله) في النهاية التفصيل بين الحمولات و المساكن و بين غيرها بنفي الحرمة في الأخير و إثباتها في سابقتيه قبل و هو غير ظاهر الوجه الّا بناء على الجمود على خبر جابر مع إلحاق الحمولة به و يتمسك بالأصل و النصوص في غيرهما الا انه في غير محله لضعف خبر جابر بل ظاهر كثير من العبارات كصريح بعضها عدم القول بالفصل بين الجميع و لعله (كذلك) الثاني انه على القول بالتحريم مع العلم بأن المشتري يريد بشرائه المنفعة المحرمة هل يحكم بالتحريم مع الظن به أيضا أم لا فيه خلاف بين أرباب القول المذكور فالذي ذهب اليه الشهيد الثاني و المحقق الأردبيلي (قدس سرّهما) هو الثاني فإن كان مبنيا على كون الظن طريقا فتوجه المنع إليه في الموضوعات الصرفة جلي و ان كان مبنيا على العمل بخبر جابر من حيث ان إطلاقه يشمل صورة علم الموجر و ظنه و انتفائهما و وقوع بيع الخمر في البيت اتفاقا خرج الأخير و بقي الباقي و الحق بإجارة البيت غيرها من المسائل المذكورة لعدم القول بالفصل فله وجه بعد العمل بالخبر المذكور و عدم القدح فيه سندا أو دلالة على حكم غير مورده أو من جهة وجود المعارض و كذا لو كان مبنيا على الاستناد في الحكم بالحرمة إلى حرمة المعاونة على الإثم كما وقع في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ان قلنا بصدق المعاونة مع الظن كما هو ظاهر كلامه (رحمه الله) حيث ذكر العلم و الظن و علل الحكم معهما بأنه معاونة على الإثم و بالجملة فهذا المسلك لا بأس به بعد طرح اخبار جواز بيع العنب ممن يعلم انه يعمله خمرا و الحكم بالحرمة لما عرفت بل قد يلحق بالظن مطلق الاحتمال لإطلاق خبر جابر الذي لم يخرج عنه الا صورة العلم بالعدم اللهم الا ان يخرج صورة الاحتمال بالإجماع على عدم الحاقه بالعلم كما في الرّياض من دعوى الإجماع على انتفاء