غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١١٠ - المسألة الرابعة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغيبة
قوله و أكل الحسنات اما ان يكون على وجه الإحباط أو لاضمحلال ثوابها في جنب عقابه أو لأنها تنقل الحسنات الى المغتاب كما في غير واحد من الاخبار
اعلم ان حبط الأعمال عبارة عن بطلان و احباطها عبارة عن ابطالها و لهذا قيل في تفسير قوله (تعالى) حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ أي بطلت و في تفسير قوله تعالى فَأَحْبَطَ اللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ أبطلها و لم يوجر عليها قال في الأنوار في طي أحوال القيمة الكبرى ما لفظه المؤمنون يجوز ان يكون ميزانهم هو عدل اللّه تعالى و الأنبياء فإذا قالوا لهم هذه حسناتكم و هذه سيئاتكم و هذا أرجح من هذا لم يتهموا اللّه و لا ملائكته الكاتبين و اما المنافقون و الكافرون فميزان أعمالهم ميزان موجود في أرض القيمة له كفتان فيوزن به أعمالهم لينظروا إليها بأعينهم و يعرفوا مقدار الراجح من المرجوح الى ان قال فإذا ورثت الأعمال بواحد من الميزانين وقع الإحباط و قد نقاه أكثر أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) تبعا للحاجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله) و قبل الكلام لا بد من تعريفه ليتضح حقيقة الحال فنقول له ثلث تعاريف أوّلها ما قاله المعتزلة من ان معناه إسقاط الثواب المتقدم بالمعصية المتأخرة و تكفير الذنوب المتقدمة بالطاعات المتأخرة و ثانيها قول أبي علي الجبائي من ان المتأخر يسقط المتقدم و يبقى هو على حاله و ثالثها ما ذهب إليه أبو هاشم من ان الإحباط هو الموازنة و هو ان ينتفي الأقل بالأكثر و ينتفي من الأكثر بالأقل ما ساواه و يبقى الزائد مستحقا و هذا المعنى مما لا ينبغي الشك في صحته كما لا ينبغي الشك في بطلان القولين الأولين لاستلزامهما الظلم على العدل تعالى اللّه عنه علوا كبيرا و الآيات و الاخبار دالة عليه قال اللّه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لٰا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ و قول الامام (عليه السلام) لامرأته هذا المكان الذي أحبط اللّه فيه حجتك العام الأول و قوله (عليه السلام) من قبل غلاما بشهوة أحبط اللّه منه عمل أربعين سنة الى غير ذلك من الاخبار و قد استدل المتكلمون من أصحابنا (رضي الله عنه) بقوله (تعالى) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ و هذا الاستدلال كما ترى و ذلك انه إذا كان الإحباط على ما قلناه يكون قد راى العملين الخير و الشر هذا و هو ظاهر و العجب من محققي أصحابنا (رضي الله عنه) كيف اتفقوا على بطلانه مع دلالة الاخبار و الأحاديث عليه و عدم منافاته للدلائل العقلية انتهى و في مجمع البحرين ان بعض المحققين انه قال استحقاق الثواب مشروط بالموافاة لقوله (تعالى) لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و لقوله (تعالى) وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ الاية و قوله (تعالى) فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ فمن كان من أهل الموافاة و لم يلبس ايمانه بظلم كان ممن يستحق الثواب الدائم (مطلقا) و من كان من أهل الكفر و مات على ذلك استحق العقاب الدائم (مطلقا) و من كان ممن خلط عملا صالحا و أخر سيئا فان وافى بالتوبة استحق الثواب (مطلقا) و ان لم يواف بها فاما ان يستحق ثواب ايمانه أولا و الثاني باطل لقوله (تعالى) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ فتعين الأول فاما ان يثاب ثم يعاقب و هو باطل بالإجماع لان من يدخل الجنة لا يخرج منها (فحينئذ) يلزم بطلان العقاب أو يعاقب ثم يثاب و هو المطلوب و لقوله (عليه السلام) في حق هؤلاء يخرجون من النار كالحمم أو كالفحم فيراهم أهل الجنة فيقولون هؤلاء الجهنميون فيؤمر بهم فيغمسون في عين الحيوان فيخرجون واحدهم كالبدر ليلة تمامه و بما قررناه يتبين أن الإحباط و الموازنة باطلان و ذلك ان الوعيدية و هم الذين لا يجوزون العفو عن الكبيرة اختلفوا على قولين أحدهما قول أبي علي و هو ان الاستحقاق الزائد يسقط الناقص و يبقى بكماله كما لو كان أحد الاستحقاقين خمسة و الأخر عشرة فإن الخمسة تسقط و تبقى العشرة و يسمى الإحباط و ثانيهما قول أبي هاشم ابنه و هو ان يسقط من الزائد ما قابل الناقص و يبقى الباقي ففي المثال المذكور يسقط خمسة و يبقى خمسة و يسمى بالموازنة و قد أبطلهما المحققون من المتكلمين بان ذلك موقوف على بيان وجود الإضافات في الخارج كالاخوة و البنوّة و عدمها فقال المتكلمون بالعدم لأنها لو كانت موجودة في الخارج مع انها عرض مفتقرة إلى محل يكون لها اضافة الى ذلك المحل فنقول فيها كما قلنا في الأول و يلزم التسلسل و هو باطل و يلزم منه بطلانها في الخارج لان ما بنى على الباطل باطل و قول الحكماء بوجودها لا يلزم الوجود
الخارجي بل الذهني و تحقيق البحث في محله و لو قيل ببطلان الإحباط و الموازنة و القول بالتكفير من باب العفو و التفضل لم يكن بعيدا و ظواهر الأدلة تؤيده انتهى و إذ قد عرفت معنى الإحباط ظهر لك الفرق بين الأمور الثلاثة التي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) توجيها لأكل الغيبة للحسنات فالاحباط ما عرفت و اضمحلال ثواب الحسنات في جنب عقاب الغيبة عبارة عن ان عقاب الغيبة صار من العظم بحيث يرى ثواب الحسنات في جنبه قليلا عند الناظر و نقل الحسنات الى المغتاب عبارة عن كتابتها في صحيفة اعمال من اغتيب و هو غير الإحباط لأنه عبارة عن الموازنة بين السابق و اللاحق من الأعمال و الاسقاط السابق في يوم القيمة في مقام المجازاة
قوله و فيها عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ادنى الكفر ان يسمع الرجل من أخيه كلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها أولئك لا خلاق لهم
هذا الدليل أخص من المدعى لعدم دلالته على حكم من ذكر شيئا من مساوي أخيه من دون قصد في حال السماع الى ذكرها لكن لا بأس بذلك بعد وجود الأدلة و الاخبار الأخر بل عدم القول بالفصل
قوله و حدثني ابى عن أبيه عن آبائه عن على (عليه السلام) انه من قال في مؤمن ما رأته عيناه أو سمعته أذناه ممّا يشينه و يهدم مروته فهو من الذين قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ
(انتهى) (الظاهر) ان هذا الحديث جزء من رواية عبد اللّه بن سليمان النوفلي و اما الاستشهاد بالآية فيمكن ان يكون من باب الإلحاق الحكمي أو يكون من باب الإشارة الى بعض البطون فتدبر
قوله ثم ظاهر هذه الاخبار كون الغيبة من الكبائر كما ذكره جماعة بل أشد من بعضها و عد في غير واحد من الاخبار من الكبائر الخيانة و يمكن إرجاع الغيبة إليها فأي خيانة أعظم من التفكه بلحم الأخ على غفلة منه و عدم شعور
أنكر بعض مشايخنا الملازمة بين عدّ الخيانة من الكبائر و بين عدّ الغيبة منها كما أنكر استجماع الخبر الذي تضمن عدّ الخيانة من الكبائر لشرائط العمل به و الفتوى بمضمونه ثم انه استشكل في أصل كون الغيبة من الكبائر بناء على ما هو المشهور من انها عبارة عما توعد اللّه عليها النار في الكتاب العزيز بل بناء على الاكتفاء بأحد الأمرين من التوعد عليه بالنار في الكتاب و التوعد عليه بها في السّنة القطعية و ذلك لان ما يصلح للدلالة على ذلك من الكتاب ايتان إحديهما قوله (تعالى) وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ و قد فسره على بن إبراهيم فيما حكى عنه بما لفظه الهمزة الذي يغمز الناس و يستحقر الفقراء و اللمزة الذي يلوى عنقه و رأسه و يغضب إذا راى فقير أو سائلا مع انه تعالى قد فسره بقوله الَّذِي جَمَعَ مٰالًا وَ عَدَّدَهُ و اما الخبر المتضمن لتفسير الهمزة بالطعان في الناس و اللمزة بالذي يأكل لحوم الناس فهو مع كونه من اخبار الآحاد معارض بما سمعت الثانية قوله (تعالى) الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا و قد فسّر الفاحشة فيه بالزنا و المساحقة و ما يصلح من الاخبار للدلالة على التوعد عليها بالنار اخبار معدودة لا تنتهي إلى حد التواتر بل في بعض الاخبار ما يدل على نفى كونها من الكبائر فعن جابر انه قال كنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فاتى قبرين يعذب صاحبهما فقال (صلى الله عليه و آله و سلم) انهما لا يعذبان في كبيرة