غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠٣ - المسألة الثالثة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغناء
للمفعول و هو المناسب لتقييد اختلاف مراتب الوجدان بالوضوح و الخفاء فافهم
قوله و ظهر ممّا ذكرنا انه لا فرق بين استعمال هذه الكيفية في كلام حق أو باطل
وجه الظهور انّه استفاد من الأدلة كون مناط التحريم هي الكيفية اللهوية الباطلة دون كلام الباطل كما عرفت
قوله امّا الأوّل فلأنه حكى عن المحدث الكاشاني (رحمه الله) انه خصّ الحرام منه بما اشتمل على محرم من خارج مثل اللعب بآلات اللهو و دخول الرجال و الكلام بالباطل و الا فهو في نفسه غير محرم
لا يخفى ان ظاهر صدر الكلام اعنى قوله خص الحرام منه بما اشتمل على محرم منافر لكون الشبهة في أصل حرمة الغناء بنوعه بل مقتضاه دخول مذهب المحدث المذكور في القسم الثالث لكن ذيل الكلام و هو قوله و الا فهو في نفسه غير محرم هو المقصود بالبيان و الإفادة و (حينئذ) يناسب الانطباق على الأول لكن يبقى شيء و هو ان عدم التحريم في نفسه محتمل لوجهين أحدهما عدم اتصاف الغناء بالحرمة عند المحدث المذكور أصلا و المتصف بالتحريم انما هو ما اقترن به من الملهيات فيكون النهى عن تلك المجالس و عن الغناء باعتبار لزوم الاجتناب عما اقترن به و من جهة حرمته و الا فهو غير محرم أصلا و على هذا لا إشكال في انطباق مذهب المحدث المذكور على القسم الأوّل و هو نفى حكم التحريم عن الغناء و ثانيهما عدم اتصاف الغناء بالحرمة بحسب الذات لكنه تعرضه الحرمة بعد ذلك باعتبار اقترانه بالملهيات و الأباطيل نظير عروض التحريم للأمور المباحة التي هي مقدّمات للحرام و أشبه شيء بحرمة الغناء (حينئذ) حرمة الأكل على مائدة يشرب عليها الخمر فإنه بمجرد شرب الخمر على تلك المائدة يحرم الأكل عليها حتى في حق غير شارب الخمر و قد كان الأكل عليها مباحا بالأصل و على هذا فالغناء (أيضا) قد اتصف بالتحريم كالملهيات الا ان تحريمه بالعرض فيكون الغناء معاقبا عليه كما ان كلا من الملهيات الأخر معاقب عليها في حد ذواتها و هذا بخلاف الوجه الأول إذ بناء عليه لا يترتب العقاب على نفس الغناء و انما هو على الملهيات الأخر و على هذا فانطباق مذهب المحدث المذكور على القسم الأوّل و هو نفى حكم التحريم عن الغناء باعتبار عدم حرمة شيء من اقسامه بالذات و ان عرض بعض أفراده الحرمة فنفى الحرمة عنه (مطلقا) انّما هو بسبب انتفائها عنه بالذات (مطلقا) و لكن (المصنف) (رحمه الله) فهم من كلام المحدث المذكور (رحمه الله) و من كلام صاحب الكفاية (رحمه الله) الوجه الأول كما صرّح به فيما يأتي بقوله نعم بعض كلماتهما ظاهرة فيما نسب إليهما من التفصيل في الصوت اللهوي الذي ليس عند التأمل تفصيلا بل قولا بإطلاق جواز الغناء و انه لا حرمة فيه أصلا و انما الحرام ما يقترن به من المحرمات هذا و لكن لا يذهب عليك ان ظاهر كلام المحدث المذكور هو الوجه الثاني الا ترى الى قوله اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء بما كان على النحو المتعارف (انتهى) فان ظاهره ان الغناء متصف بالحرمة لأن الحرام انما هو ما اقترن به و كذا قوله بعد ذلك دون ما سوى ذلك من أنواعه و كذا قوله و بالجملة فلا يخفى على أهل الحجى بعد سماع هذه الاخبار تميز حق الغناء عن باطله و مثله كلام صاحب الكفاية (رحمه الله) الا ترى الى قوله و الشائع في ذلك الزمان الغناء على سبيل اللهو الى ان قال فحمل المفرد المعرف يعنى لفظ الغناء على تلك الأفراد الشائعة في ذلك الزمان غير بعيد و كذا قوله ان فيه إشعارا بأن منشأ المنع في الغناء هو بعض الأمور المحرمة المقترنة به
قوله و المحكي من كلامه في الوافي انه قال بعد حكاية الأخبار التي يأتي بعضها و تقدم جملة منها
و ينبغي نقل كلامه (رحمه الله) بتمامه ليكون الناظر على بصيرة فنقول قال في أخر باب كسب المغنية و شرائها و ما جاء في الغناء بعد ذكر جملة وافية من الاخبار التي أخرها رواية الفقيه المتضمنة لقوله (عليه السلام) ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة ما صوته و يستفاد منه ان مد الصوت و ترجيعه بأمثال ذلك ليس بغناء أو ليس بمحظور و في الأحاديث التي مضت في باب ترتيل القران بالصّوت الحسن من كتاب الصّلوة دلالة على ذلك و الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة فيه اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء كلها بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن بنى أميّة و بنى العباس من دخول الرجال عليهن و تكلمهن بالأباطيل و لعبهن بالملاهي من العيدان و القصب و غيرها دون ما سوى ذلك كما يشعر به قوله (عليه السلام) ليست بالتي يدخل عليها الرجال قال في الاستبصار بعد نقل ما أوردناه في أول الباب الوجه في هذه الاخبار الرخصة فيمن لا يتكلم بالأباطيل و لا يلعب بالملاهي و العيدان و أشباهها و لا بالقصب و غيره بل يكون ممن يزف العروس و يتكلم عندها بإنشاد الشعر و القول البعيد عن الفحش و الأباطيل و اما ما عدا هؤلاء ممن يتغنين بسائر أنواع الملاهي فلا يجوز على حال سواء كان في العرائس أو غيرها و يستفاد من كلامه ان تحريم الغناء انما هو لاشتماله على أفعال محرمة فان لم يتضمن شيئا من ذلك جاز و (حينئذ) فلا وجه لتخصيص الجواز بزفّ العرائس و لا سيما و قد ورد الرخصة به في غيره الا ان يقال ان بعض الأفعال لا يليق بذي المروات و ان كان مباحا فالميزان فيه حديث من أصغى الى ناطق فقد عبده و قول ابى جعفر (صلوات اللّه عليه) إذا ميز اللّه بين الحق و الباطل فأين يكون الغناء و على هذا فلا بأس بسماع التغني بالاشعار المتضمنة لذكر الجنة و النار و التشويق الى دار القرار الى أخر ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) و ذلك تمام كلامه و (الظاهر) ان غرضه من ذكر عبارة الاستبصار هو دعوى كون الشيخ (رحمه الله) موافقا له في المذهب و هي دعوى ممنوعة لأن قوله (رحمه الله) بل كان ممن يزف العروس دليل على ان مراده من قوله لا يتكلم بالأباطيل ليس استثناؤه (مطلقا) بل مراده استثناء من لا يتكلم بالأباطيل مع كونه ممن يزف العروس و حاصله استثناء خصوص الغناء في العروس إذا لم يكن فيه تكلم بالباطل و غيره و اين هذا من إطلاق القول بكون الغناء إذا لم يقترن بالملاهي و الأباطيل جائزا أو القول بكون المحرم هي الأباطيل المقترنة بالغناء و كونه بنفسه جائزا كما هو المحتمل الأخر في مذهبه على ما تقدم فتحصل من ذلك ان ليس الشيخ (رحمه الله) موافقا له كما انه قد قيل انه لا موافق له سوى صاحب الكفاية من علماء الإسلام إلا الغزالي على ما حكى عنه هذا و قد أورد عليه بوجه الأول ان ما ذهب اليه مخالف للإجماع بل الضرورة من مذهبنا أو الدين كما عرفت دعويها من صاحبي الجواهر و المستند (قدس سرّهما) فلا بد من طرح ما خالف الإجماع من الأدلة أو تأويله الثاني انه مع اعترافه بكون التغني و الاشتغال بالملاهي متعارفين في زمان صدور الاخبار كيف لا يحمل الأخبار المجوزة على التقية و ما اعترف به قرينة واضحة على ذلك الثالث ان استثناء غناء المغنية في العرايس إذا لم يدخل عليها الرجال دليل على حرمة الغناء بحسب الذات و ان كونه في العرس وصف عرضي أوجب خروجه عما هو عليه بحسب الأصل فكيف غفل عن ذلك و استشهد به على جواز الغناء إذا لم يقترن بالمحرم الخارجي و لا يتوهم ان الحكم الصادر من المعصوم (عليه السلام) ليس بصورة الاستثناء حتى يفيد ذلك لأنا نقول انه و ان لم يكن بصورة الاستثناء الا انه في معناه فإنه (عليه السلام) قال أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس و ليست بالتي يدخل عليها الرجال ثم انه قد يستند للقول بالجواز انتصار للقائل به بالأصل بعد حمل النصوص المانعة على خصوص