غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٦ - المسألة الثامنة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الرشوة
عشرة دراهم بدرهم
اعلم ان (الظاهر) ان موضوع الرشوة عبارة عن المال بقسميه العين و المنفعة و عن الحقوق و العقود التي ترجع إليها و ظاهر كلمات أهل اللغة ممّا عرفت لا يفهم منه الشّمول لما سوى ذلك ممّا سنذكره كالثّناء على القاضي و مدحه مثلا نعم عن مجمل بن فارس ارشيت الرّجل إذا لا ينته انتهى فهو يشمل جميع ما سنذكره الّا انّ الظّاهر انّ ذلك إطلاق أخر لا دخل له بهذا المعنى الذي نحن بصدده بل قد يستفاد من بعض النصوص عدم شموله لما عدا ما ذكر كرواية يزيد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) حيث سئله عن السّحت فقال (عليه السلام) الرشا في الحكم و وجه الدلالة ان السحت كما في المصباح هو كلّ مال حرام لا يحلّ اكله و لا كسبه انتهى فتأمل بل قد يستفاد من سياق سائر الأخبار حيث قرن فيها الرشوة بما هو من قبيل المال عدم شموله لغيره بل الظاهر من مساق كلمات الفقهاء (أيضا) ذلك و لكن قال في الجواهر ان الرشوة خاصة في الأموال و في بذلها على جهة الرشوة أو انّها تعمها و تعم الأعمال بل و الأقوال كمدح القاضي و الثناء عليه و المبادرة إلى حوائجه و إظهار تبجيله و تعظيمه و نحو ذلك و نعم البذل في عقد المحاباة و العارية و الوقف و نحو ذلك و بالجملة كل ما قصد به التوصل الى حكم الحاكم قد يقوى في النظر الثاني و ان شك في بعض الافراد في الدخول في الاسم أو جزم بعدمه فلا يبعد الدخول في الحكم انتهى و وجه الدخول في الحكم هو اتحاد المناط كما ذكره بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى و فيه تأمل و الاولى الاستناد إلى حرمة المعاونة على الإثم في مورد جريانها كما لو فعل ذلك ليحكم له بالباطل و امّا في غير مورد جريانها كما لو فعل ذلك ليحكم له بالحق فاصل البراءة محكم و ان قلنا بان بذل المال للحاكم ليحكم للباذل بالحق رشوة فتدبر ثم ان قوله ممّا يعد من الرّشوة أو يلحق بها يمكن ان يكون إشارة إلى القسمين اللذين ذكرهما بان يكون الأول منهما رشوة و الثاني منهما ملحقا بها و يمكن ان يكون إشارة إلى تردده في المحابات بين اندراجه موضوعا و بين لحوقه حكما و يمكن ان يكون إشارة إلى التردد في مراد من عمّم الرّشوة بالنسبة إلى المحاباة كصاحب الجواهر (رحمه الله) بان يكون الفعل الثاني (أيضا) أعني يلحق مبنيا للمفعول
قوله لجلب قلب القاضي
معناه لجلب قلبه حتى يحكم له كما ذكره في الهدية و الا فمطلق جلب قلبه من دون قصد التوصل الى الحكم له لا يسمّى رشوة و لا يكون ملحقا بها و لذلك قال فهي كالهدية ملحقة بالرشوة أي كما ان الهدية ملحقة (كذلك) هذه ملحقة و وجه الإلحاق ما ذكره في الهدية من تنقيح المناط تنبيه لا ريب في انه ليست جميع أفراد الرشوة بالمعنى الذي استفدناه من أهل اللغة بمحرمة بل منها ما هو مباح مثل ما يبذل على الأعمال المباحة مثل بعض أقسام قضاء الحاجة عند الأمراء و مثل الخروج من المسكن الموقوف ليسكنه غيره كما انه لا ريب في ان ما يبذل في مقابل فعل محرم محرم و ان لم يكن من مصاديق الرشوة لكن يبقى الكلام في ان جميع أقسام الرشوة على الحكم هل هي محرمة أو خرج عنها خارج قال في المستند مقتضى إطلاق الاخبار التعميم و قد يخص الجواز للمرتشى إذا كان الحكم بالحق و ان لم يرتش و هو ضعيف و قال فيه (أيضا) و قد يخص بما إذا ارشى و ارتشى للحكم بالباطل اما لاختصاص حقيقتها بذلك كما مر و ضعفه قد ظهر أو لتخصيص ذلك بالصّحيحة المذكورة المجوزة للارشاء للتحول من منزله و يضعف بان الكلام في الرشا في الحكم دون التحول من المنزل و قال فيما بين الكلامين و قد يخص الجواز للراشي إذا كان محقا و لا يمكن وصوله الى حقه بدونها ذكره جمع كثير منهم الوالد الماجد و هو حسن لمعارضة إطلاقات تحريمها مع أدلة نفى الضرر فيرجع الى الأصل لو لم يرجح الثاني و لكن الجواز (حينئذ) مخصوص بالراشى دون المرتشي انتهى و الاولى في تقرير الدليل ان يقال ان أدلة الضرر حاكمة على سائر الأدلة فيؤخذ بالحاكم و مثله في أصل الحكم ما عن شرح القواعد الا انه قيد الجواز بكون البذل لا على وجه الرشوة قال (رحمه الله) فيما حكى عنه و لو توقف الوصول إلى الحق على البذل جاز لا على وجه الرشوة كما يجوز الى العشار و السّارق و الظالم لحفظ النفس أو المال و جعل صاحب الجواهر (رحمه الله) قوله لا على وجه الرشوة إشارة إلى إعطائها بعنوان التوصل إلى الحق قال (رحمه الله) و لو توقف تحصيل الحق على بذله لقضاة حكام الجور جاز للراشي و حرم على المرتشي كما صرّح به غير واحد بل لا أجد فيه خلافا لقصور أدلة الحرمة عن تناول الفرض الذي يدل عليه أصول الشرع و قواعده المستفادة من الكتاب و السنة و الإجماع و العقل ضرورة أن للإنسان التوصل الى حقه بذلك و نحوه مما هو محرم عليه في حال الاختيار بل ذلك كالإكراه على الرشا الذي لا بأس به على الراشي معه عقلا و نقلا و لعله الى ذلك أومأ الأستاد في شرحه قال و لو توقف الوصول إلى أخر ما حكيناه عن شرح القواعد الا انه قال انه مناف لما ذكره في شرح القواعد في مسئلة الأجرة على القضاء و الجعل عليه من قوله و يعطى الدافع في دفعه الى القاضي في أحد الوجهين إلا إذا توقف تحصيل الحق عليه فيجوز بخلاف الرشوة فإنها لا تجوز بحال انتهى و قال (رحمه الله) بعد ذكر هذا الكلام و في كلامه الأخير ما لا يخفى ضرورة انه ان أراد إخراجها عن الموضوع في صورة التوقف كان مخالفا للعرف في ذلك و ان أراد انها لا تجوز بهذا العنوان حتى لو توقف الحق عليها كان مخالفا لما قدمناه سابقا بل لم اعرف له موافقا عليه بعد تنزيل الإطلاق في النص و الفتوى على الاختيار انتهى و (الظاهر) ان مراد شارح القواعد (رحمه الله) كما يعطيه قوله لا على وجه الرشوة أن الرشوة عبارة عما يعطيه لأجل الحكم فهذا العنوان مأخوذ في مفهومها و تحصيل الحق انما يتوقف على بذل المال لا على قصد كونه لأجل الحكم فالرشوة معنونة بهذا الوصف العنواني غير موقوف عليها استيفاء الحق لإمكان كون البذل بعنوان تحصيل المال فإذا كانت مما لا يتوقف عليه الاستيفاء لم يجز بهذا العنوان أصلا و لا منافاة بين جوازها لا بعنوان الرشوة و عدم جوازها بهذا العنوان و قد أشار بعض المعاصرين الى هذا في كلام له يعجبني ذكره قال ما نصه لو توقف تحصيل الحق على بذلها القضاة الجور جاز للراشي و ان حرم على المرتشي كما نص عليه كثير منهم من غير خلاف فيه يعرف كما اعترف به بعضهم للأصل مع الشك في تناول دليل التحريم لذلك ان لم يكن ظاهرا في صورة الاختيار و عدم الانحصار مع ان الضرورات تبيح المحظورات عقلا و
نقلا و كتابا و سنة و إجماعا و تدبر و قد يستدل عليه بالصّحيح عن الرّجل يرشو الرجل على ان يتحول من منزله فيسكنه قال (عليه السلام) لا بأس و ضعفه ظاهر و عن الحلبي المنع من التوصل إلى الحق بحكم المخالف للحق فان كان أحدهما مخالفا جاز و عن المختلف و غيره انه موضع المنع لأن للإنسان أن يأخذ حقه كيف ما أمكن و لو بذلك و نحوه مما هو محرم عليه في الاختيار بل ذلك كالإكراه على الرشا الذي لا بأس به على الراشي معه عقلا و نقلا الا ان كونه كالإكراه عليها محلّ منع مع انه قد يمنع تحقق الإكراه عليها بناء على اعتبار قصد كون البذل لجعل؟؟؟ الحكم له فيها فإن الإكراه انما يكون في مطلق البذل لا على كونه على الوجه الخاص فقد يكون البذل لمجرد استنقاذ ماله