غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠٧ - الأول استثناء الحداء من حرمة الغناء
انما يكون بتذكر أحواله (عليه السلام) و كون (مطلقا) البكاء خيرا ممنوع من ان تخصيص علة البكاء على الحسين (عليه السلام) بتذكر أحواله فقط أمر مخالف للوجدان فانا نشاهد من أنفسنا تأثير الألفاظ و الأصوات ففيه انه بعد الاعتراف بتأثير الألفاظ و الأصوات في حصول البكاء لا يبقى كون مثل هذا البكاء بكاء على الحسين (عليه السلام) بان يضاف اليه (عليه السلام) امرا وجدانيا حتى يجعل الوجدان حاكما فيه كما فعله هو (رحمه الله) ضرورة ان اللازم (حينئذ) عرض هذا على أهل العرف و ملاحظة انهم إذا علموا بكون مثل هذا البكاء مما قد هيجه الأصوات و النغمات فأحدثت للإنسان رقة و بكاء هل يحكمون بكونه بكاء على الحسين (عليه السلام) فيضيفونه إليه أم لا فتحكيم الوجدان في هذا المقام ممّا لا وجه له ثم ان الظاهر انه بعد الرجوع الى العرف يفرقون بين فصاحة الراثى و غنائه من حيث ان الثاني له قوة تأثير في ذكر الأمور المحبوبة المفقودة و كون حدوث البكاء من أجل فراقها دون الأول فإنه لعدم استكمال قوته لا يعد سببا خاصا فالباكى لمرثية الفصيح يقال عليه انه باك على الحسين (عليه السلام) لأن الفصاحة لم يحصل منها الا قوة إحسان ذكر الحسين (عليه السلام) بخلاف الباكي في مرثية المغني المهيج لذكر الأمور المحبوبة المفقودة التي يبكي لفراقها فان الغناء أورث التذكر لأمور خارجة عن مصائبه فتدبر و اما ما ذكره في ذيل قوله و اما قول المعترض مع ان عموم رجحان (انتهى) من تعارض عمومات حرمة الغناء و حرمة رجحان الإعانة على البر و الرجوع الى الأصل في مورد التعارض ففيه ان عمومات حرمة الغناء حاكمة على عموم الأمر بالتعاون على البر و التقوى بل على غيره من عوامر العبارات و المثوبات و لا يمنع من ذلك كون النسبة بينهما هو العموم من وجه فان لسان الحكومة لا يتفاوت فيه كون النسبة هي العموم و الخصوص (مطلقا) أو من وجه و من هنا يعلم ان عمومات النهى عن الغناء حاكمة على نفس أوامر المرثية (أيضا) و لا يقدح كون النسبة هي العموم من وجه و الا لتحقق التعارض من وجه بين ما دل على قضاء حاجة المؤمن مثلا و النهى عن اللواط و الزنا و الكذب و غيرها من المحرمات و من المعلوم بطلانه فان من ضروريات الشرع انه لا يطاع بما يعصى به هذا و حكى عن بعض الأساطين في شرحه على القواعد مسلك أخر و هو ان الغناء و المرثية متغايران موضوعا فلا يجتمعان فان من دخل الدار فسمع صوت الراثى يقول ان هذه مرثية بخلاف ما لو سمع الغناء و لا يطلق على أحدهما اسم الأخر عرفا و لم يحضرني كلامه حتى أراجع و لكن هذا الذي ذكرناه مما لا يخفى سقوطه لان الغناء كما عرفت إما هو الصّوت المطرب المرجع فيه كما هو المشهور أو هو الصّوت اللهوي أو غيرهما و أيا ما كان فاجتماعه مع المرثية مما لا خفاء فيه
قوله خصوصا الّتي من مقدماتها
يعنى المستحبات الّتي هي من مقدمات المحرمات لان حكم المقدمة لا يسير إلى ذي المقدمة بل الاولى عكس ذلك
قوله و السّر في ذلك ان دليل الاستحباب انما يدلّ على كون الفعل لو خلى و طبعه خاليا عما يوجب لزوم أحد طرفيه فلا ينافي ذلك طرو عنوان من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه كما إذا صار مقدمة الواجب و صادفه عنوان محرم
(انتهى) ظاهر هذا الكلام يوهم ان كون تعلق حكم الاستحباب بموضوعه الّذي هو فعل المكلف مع قطع النظر عن الأمور الخارجية و هو ما أشار بقوله لو خلى و طبعه من خواص أدلة الاستحباب و لوازمها بحسب الطبع حتى ان أدلة الوجوب و الحرمة و غيرهما ليست بهذه المثابة و انها لا تفيد تعلق أحكامها بموضوعاتها لو خليت و طباعها و ليس (كذلك) لان كل حكم انما يعرض موضوعه من حيث هو غالبا فالتقييد بقوله لو خلى و طبعه ليس للاحتراز عن الوجوب و الحرمة مثلا بان لا يكونا يعرضان موضوعيهما لو خليا و طبعهما و انما هو لبيان الواقع في المقام نعم خلوه عما يوجب لزوم أحد طرفيه لا يوجد في الوجوب و الحرمة فهو مميز له عنهما فالحاصل ان أدلة الاستحباب لما كان مفادها الخلو عن لزوم أحد الطرفين و كان ذلك بحسب ذاته لو خلى و طبعه لم يكن لها قوة رفع الحرمة عن العنوان الذي اجتمع معه بل كان اللازم عكس ذلك
[بقي الكلام فيما استثناه المشهور من الغناء]
[الأول استثناء الحداء من حرمة الغناء]
قوله بقي الكلام فيما استثناه المشهور من الغناء
(الظاهر) ان وجه اسناد الاستثناء الى المشهور هو وجود القائل بعدم الاستثناء و قد صرّح به المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي (المسالك) حيث قال بعد جعل الكلام في الغناء في مقامين أولهما في تعريفه ما لفظه الثاني انه هل يستثني منه شيء أم كله حرام و على الأول أي شيء يستثني اختار عدم الاستثناء جماعة كما ذكره (الشارع) الى ان قال دليل هؤلاء إطلاقات الأخبار انتهى و سبقه الى مثل ذلك في (المسالك) كما أشار إليه
قوله و قد صرّح بذلك في شهادات (الشرائع) و (القواعد) و (الدروس)
و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد و قد استثنى الحداء بالمد و هو سوق الإبل بالغناء لها و على تقدير صحة استثنائه يمكن اختصاصه بكونه للإبل فقط كما هو مقتضى الدليل و يمكن التعدي (أيضا) الى البغال و الحمير انتهى
قوله و على تقدير كونه من الأصوات اللهوية كما يشهد به استثناؤهم إياه من الغناء بعد أخذهم الإطراب في تعريفه فلم أجد ما يصلح لاستثنائه
(انتهى) هذا الكلام يعطى الشك في كونه من افراد الغناء و قد وقع التصريح به من بعض الأواخر قال في الجواهر بل ربما ادعى ان الحداء قسيم للغناء بشهادة العرف و (حينئذ) يكون خارجا عن الموضوع لا عن الحكم و لا بأس به انتهى و قد أشار (المصنف) (رحمه الله) الى توهينه بقوله كما يشهد (انتهى) مضافا الى ما يمكن ان يقال انه إذا صدق عليه تعريف الغناء و هو الصوت المطرب المرجع فيه كما هو المشهور أو الصّوت المرجع فيه الملهى كما هو مذاق (المصنف) (رحمه الله) لم يبق مجال لدعوى كونه قسيما ثمّ ان التحقيق على تقدير كونه من الغناء انا ان قلنا بأنه لم يثبت حرمة الغناء على وجه كلى و انما ثبت بالإجماع في غير موارد الاستثناء و اما هي فباقية تحت الأصل الاولى الذي هو الإباحة (فحينئذ) يتجه الحكم بجواز الحداء استناد الى الأصل لعدم قيام الإجماع على حرمته بل قد عرفت ان بعضهم ادعى شهرة الجواز و ان قلنا بثبوت حرمته على وجه العموم فليس هناك ما يصلح لاستثناء الحداء بخصوصه
قوله عدا رواية نبوية ذكرها في (المسالك) من تقرير النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعبد اللّه بن رواحة حيث حدا للإبل و كان حسن الصّوت و في دلالته و سنده ما لا يخفى
الرواية المشار إليها عبارة عن المرسل انه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لعبد اللّه بن رواحة حرك بالنوق فاندفع يرتجز و كان عبد اللّه جيد الحداء و كان مع الرجال و كان أنجشة مع النساء فلما سمعه تبعه فقال (عليه السلام) لأنجشه رويدك رفقا بالقوارير و أنجشة بفتح الهمزة و الجيم من خدام رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و كان معروفا بالمهارة في سوق الإبل بالحداء و قوله تبعه معناه ان أنجشة تبع عبد اللّه بن رواحة في الحداء و كنى بالقوارير عن النساء ورده (المصنف) (رحمه الله) من حيث السند و الدلالة امّا الأول فلان إرساله يمنع من العمل به و لا جابر له لعدم تحقق الشهرة على طبق مؤداه بل في الجواهر لعل المحقق خلافها و امّا الثاني فلان ما تضمّنه انما هو من قضايا الأحوال التي لم يعلم كيفية وقوعها فلا يصحّ التمسّك بعمومه و الى هذا أشار في الجواهر بقوله و عدم معلومية كون ذلك منه على صفته يعنى كون الحداء الواقع من عبد اللّه بن رواحة على صفة الغناء ثم لا يخفى انه على تقدير العمل به لا بد من الاقتصار على مورده من سوق الإبل فلا وجه للتعدي إلى غيره من سوق البغال و الحمير أو غير ذلك كاستعماله في المراثي على تقدير عدم استثنائها كما صدر من بعض العوام في عصرنا و قال المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حواشي (المسالك) و منهم من استثنى الحداء و اعترف غير