غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٩ - المسئلة الاولى في حكم شربها في مقام الاضطرار
في مسئلة وجوب الإعلام بنجاسة الدّهن المتنجس عند بيعه ان صيرورة المكلف علة تامة لوقوع المكلف الأخر في المحرم و القبيح الواقعي كما لو أكرهه على شرب الخمر أو شيء من المحرمات الأخر أو صيرورته سببا كما لو قدم اليه طعاما مغصوبا فأكله و هو لا يعلم بالغصب محرم فعلى هذا يدخل إطعام المكلفين الغير العالمين في القسم الثاني فيجري عليه حكم الحرمة
الخامس ان حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة في حال الاختيار مما لا اشكال فيه
غاية ما في الباب اختلاف القولين فيه من جهة ان الأصل حرمة الانتفاع الا ما خرج أو بالعكس و على كل حال فالحرمة المثبتة مما لا ريب فيه في حال الاختيار انما الكلام في ان تلك الحرمة ثابتة في مقام الضّرورة كالتداوى بها مثلا أم لا فالّذي اختاره بعض من تأخر تبعا لجماعة هو الثاني فيجوز التداوي بها سواء كان بالخمر أم غيرها من الأعيان النجسة لأن الضّرورة تبيح المحظورات و لكن قد عقد في الوسائل بابا لعدم جواز التداوي بشيء من الخمر و النبيذ و المسكر و غيرها من المحرمات مشتملا على اخبار كثيرة منها ما عن عمر بن أذينة قال كتبت الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) اسئله عن الرّجل ينعت له الدواء من ريح البواسير فيشربه بقدر أسكرجة من نبيذ ليس يريد به اللذة انما يريد به الدواء فقال (عليه السلام) لا و لا جرعة ثم قال ان اللّه عزّ و جلّ لم يجعل في شيء مما حرم دواء و لا شفاء و قد تأول هو و غيره تلك الاخبار بان اللّه تعالى لم يجعل في الحرام بوصف كونه حراما شفاء و عند الضرورة يخرج عن كونه حراما فيصير مباحا و شفاء و لكنه غير موافق لمساق الخبر المذكور و غيره من الاخبار الا ان توجه بان ما وقع من السؤال فيها يشتمل على امراض هيّنة غير مهلكة و التداوي بها في مثل تلك الأمراض غير جائز و انما يجوز التداوي بها في الأمراض الشديدة التي يظن معها تلف النفس لا مثل قراقر البطن و أرياح البواسير فالتداوى بها منها حرام و لا شفاء في الحرام أو توجه بان مثل هذه الأمراض يمكن علاجها بدواء أخر فلا يجوز التداوي بها منها و انما يجوز التداوي بها فيما لا بد لها في التداوي منه فما لم ينتف بدلها فهي حرام لم يجعل اللّه فيها شفاء و مع انتفاء البدل تباح فيجوز التداوي بها و قد جعل اللّه فيها شفاء و هذان التوجيهان يمكن استفادتها من اخبار الباب فتدبر و يعجبني توضيح المقال في المسئلة على وجه يحصل به شفاء الغليل فأقول و باللّه التوفيق ان تناول الخمر قد يكون في مقام الاضطرار من غير جهة المرض و قد يكون للتداوي عن المرض شربا و قد يكون للتداوي من رمد العين بالاكتحال بها و قد يكون بالاحتقان فهذه مسائل أربع
المسئلة الاولى في حكم شربها في مقام الاضطرار
و قد وقع الخلاف في الخمر و في الطين (حينئذ) بعد اطباقهم على ان سائر المحرمات مباحة عند الضرورة قد اذن الشارع في أكلها و شربها عندها و لا بد من معرفة المضطر الّذي هو الموضع ثم البحث عن حكمه قال في الجواهر اما المضطر فعن النهاية انه هو الذي يخاف المتلف على نفسه لو لم يتناول قال فيها و لا يجوز ان يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس فإذا خاف ذلك أكل منها ما يمسك رمقه و لا يمتلئ منه و في (المسالك) وافقه عليه تلميذه القاضي و ابن إدريس و العلامة في (المختلف) و لعله لانه المتيقن من الرّخصة و الخبر المفضل و مرسله محمّد بن عبد اللّه و محمّد بن عذافر المتقدمين و فيه ان عنوان الرّخصة المضطر الذي لا ريب في تحققه بغير ذلك و الخبران المزبوران بعد الإغماض عن السند لا دلالة فيهما على الاختصاص و آية المخمصة مع عدم القائل بتقييد الاضطرار فيها حتى من الخصم لا تصلح لتقييد إطلاق غيرها لو سلم ظهورها في التقييد من جهة الشرطية و من هنا قال (المصنف) (رحمه الله) بل (المشهور) كما في (المسالك) و كذا يتحقق الاضطرار لو خاف المرض بالترك بل و كذا لو خاف الضعف المؤدي إلى التخلف عن الرفقة مع ظهور امارة العطب بذلك أو الى الضعف عن الركوب أو المشي المؤدي إلى خوف التلف بل الظاهر تحققه بالخوف على نفس غيره المحترمة كالحامل تخاف على الجنين و المرضع على الطفل و بالإكراه و بالتقية الحاصلة بالخوف على إتلاف نفسه أو نفس محترمة أو عرضه أو عرض محترم أو ماله أو مال محترم يجب عليه حفظه أو غير ذلك من الضرر الذي لا يتحمل عادة بل لو كان مريضا و خاف بترك التناول طول المرض أو عسر علاجه فهو مضطر عرفا و لا فرق في ذلك كله بين السفر و الحضر إذ المدار على صدق الاضطرار الظاهر تحققه بخوف الضرر الذي لا يتحمل عادة إذا كان خوفا معتدا به عند العقلاء لا مجرد وهم فضلا عن العلم و الظن بل قد يدعى تحققه عرفا مع عدم معارضة واجب من حفظ النفس و نحوه انتهى كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) و سبقه الى تفسير المضطر بما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) الا انه قال في ذيل كلامه و ينبغي الملاحظة في ذلك كله و الاحتياط فان الدليل هو ظاهر العقل و بعض العمومات فلا بد من الاقتصار على المعلوم و ذلك لا يخلو عن اشكال و عسر فتأمل انتهى و مثلهما صاحب المستند (رحمه الله) الا انه قال في مقام التعليل كل ذلك لصدق العسر و الحرج و الضرر و الاضطرار معه عرفا انتهى و قال العلامة (رحمه الله) في الإرشاد و يباح للمضطر و هو خائف التلف لو لم يتناول أو المرض أو طوله أو عسر علاجه أو الضعف عن مصاحبة الرفقة مع خوف العطب عند التخلف أو عن الركوب المؤدي إلى الهلاك تناول كل المحرمات الى ان قال و يجب التناول للحفظ و لو قصد التنزه حرم و يستبيح كل ما لا يؤدى الى قتل معصوم فيحل الخمر لازالة العطش و ان حرم التداوي به و لو وجد البول اعتاض به عن الخمر انتهى و في القواعد المضطر و هو كل من يخاف التلف على نفسه لو لم يتناول أو المرض أو الضعف المؤدي إلى المتخلف عن الرفقة مع ظهور العطب أو ضعف الركوب المؤدي إلى خوف التلف و لو خاف طول المرض أو عسر علاجه فالأقرب انه مضطر سواء كان المضطر حاضرا أو مسافرا انتهى و إذ قد عرفت ذلك نقول يباح تناول الخمر عند الاضطراب وفاقا لجماعة منهم الصّدوق (رحمه الله) و الشيخ و ابن إدريس و ابن سعيد و المحقق في كتاب الأطعمة و الأشربة و جماعة بل هو (المشهور) لنا على ذلك أهمية حفظ النفس بل غيره مما ذكر و نفى الحرج و الضرر في الدين إذ لا حرج و لا ضرر أعظم من الصبر على تلف النفس و نحوها مع وجود ما يمكن دفع الضّرورة به و عموم ما عن الدعائم ثم قال على (صلوات اللّه عليه) المضطر يأكل الميتة و كل محرم إذا اضطر اليه و خصوص موثقة الساباطي في الخمر عن الرجل اصابه عطش حتى خاف على نفسه فأصاب خمرا قال يشرب منه قوته و المروي عن الدعائم إذا اضطر المضطر إلى أكل الميتة أكل حتى شبع و إذا اضطر الى الخمر شرب حتى يروى و ليس له ان يعود الى ذلك حتى يضطر اليه و مرسلة العلل و شرب الخمر جائز في الضرورة
و ربما يؤيد بحلية الدم و الميتة و لحم الخنزير التي هي أشد حرمة و أغلظ من الخمر عند الضرورة خلافا للمحكي عن الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) و (الخلاف) فقال فيما لو لم يوجد الا الخمر انه لا يجوز دفع الضرورة بها استنادا الى ثبوت حرمتها في الكتاب و عدم معارضة آيات الاضطرار لها لتصدرها بحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير فهي المباحة للمضطر و لا تقاومه اخبار الحلّية لها لان كل خبر خالف الكتاب فهو مردود و لرواية الفضل بن شاذان عن الرّضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون و المضطر لا يشرب الخمر لأنها تقتله و رواية العلل عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال المضطر لا يشرب الخمر لأنها لا تزيده الا شرا و لأنه إن شربها قتلته فلا يشرب منها قطرة قال في الوسائل قال و روى لا تزيده الا عطشا قال الصّدوق جاء الحديث هكذا و شرب الخمر جائز في الضرورة انتهى و أجيب أولا بأن استثناء المضطر (أيضا) ثبت من الكتاب فان قوله تعالى وَ مٰا لَكُمْ أَلّٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (مطلقا) و كذا ايات نفى العسر و الحرج و ثانيا بان خاص السنة لا يعد مخالفا لعام الكتاب و لهذا يخص الثاني بالأول إذا كان خاصا (مطلقا) كما في المقام إذ الموثقة و رواية الدعائم خاصان (مطلقا) و كذا مرسلة العلل و لا يعارضها رواية العلل لأنها معللة بما إذا كان المفروض خلافه و قال في الوسائل بعد كلامه الذي حكيناه في ذيل رواية أبي بصير هذا محمول على خوف الضرر من شرب الخمر (أيضا) بقرينة التعليل أو على ضرورة دون الهلاك هذا و أقول الأقرب في حمل الرواية بملاحظة روايته المتضمنة لقوله (عليه السلام) لا تزيده الا عطشا على ما لو كان سبب الضرورة هو العطش بخصوصه و على هذا فلا اشكال