غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨ - في تقسيم المكاسب
اتصاف كل من الأنواع من حيث هو ذلك النوع الخاص كالبيع مثلا بشيء من الحرمة و الكراهة محلّ نظر بل منع السّادس ان الظاهر من الاخبار كون الاكتساب مستحبا لنفسه مثل قوله (عليه السلام) ان اللّه يحب المحترف الأمين و ظاهر الفتاوى كونه مستحبّا لغيره و لهذا تريهم يحكمون باستحبابه للتوسعة في المعاش و تحصيل ما يتوقف عليه من العبادات المستحبة كالبر و الصدقة و الحج و المندوب و العتق و بناء المساجد و المدارس و أمثالها ثم على هذا التقدير هل يتوقف اتصاف لاكتساب بالاستحباب على القصد إلى شيء من العنوانات و الغايات المذكورة أم يكفي في اتصاف نفس الاكتساب بالاستحباب مجرد ترتب شيء من الغايات المذكورة عليه و ان لم يكن قاصدا له حال الاشتغال بالاكتساب الظاهر بل المقطوع به هو الأول الصراحة اللّام الداخلة على العنوانات المذكورة في ان للقصد إليها في حال الاكتساب مدخلا في اتصافه بالاستحباب فينتفى بانتفاء القصد إليها السّابع انه قد تضمن بعض الاخبار ما يدل على ان الاكتساب عبادة مثل رواية المعلى بن خنيس قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و انا عنده فقيل قد أصابته الحاجة قال فما يصنع اليوم قيل في البيت يعبد ربّه عزّ و جل قال فمن اين قوته قيل عند بعض إخوانه فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) و اللّه للّذي يقوته أشد عبادة منه و انه قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) العبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال و من المقرر في محله ان العبادة نوعان عبادة بالمعنى الأخص و هو ما أخذ في تحققه و قوامه قصد القربة كالصّلوة فإنه لو لم يقصد بها القربة لم تقع في الخارج و عبادة بالمعنى الأعم و هو ما يعتبر في ترتب الثواب عليه قصد القربة و جميع الواجبات التوصلية بل المباحات من هذا القبيل فإنه يعتبر في ترتب الثواب عليها قصد القربة بمعنى ان أصل تحققها يحصل بدون قصد القربة (أيضا) لكن إذا اقترن به قصد القربة ترتب الثواب عليه (فحينئذ) نقول لا يمكن ان يكون المراد بالحديث ان الاكتساب من قبيل العبادة بالمعنى الأخص كما قد يتوهم ضرورة عدم صحة الالتزام يكون الاكتساب قد أخذ في قوامه و تحققه قصد القربة كالصّلوة و كذا لا يمكن ان يكون المراد انه من قبيل العبادة بالمعنى الأعم ضرورة ان كل واجب توصلي و مباح شانه ذلك فإنه كلما قصد بشيء منهما القربة ترتب عليه الثواب بغير اشكال فالوجه ان يقال ان المراد به معنى ثالث جعله كاشف الغطاء (قدس سرّه) من جملة معاني العبادة و هو ان يكون الشيء في حد ذاته و من دون اقترانه بقصد القربة حسنا و محبوبا عند اللّه كالنكاح فإنه حسن في حد ذاته و ان أوقعه فاعله لقضاء الشهوة و التذاذ النفس و لم يقصد به كف نفسه عن المحرمات و لا كون ما يرتكبه مأمورا به و الاكتساب من هذا القبيل (فحينئذ) نقول ان المكلف ان لم يفعله بقصد القربة لا يترتب عليه الثواب لان الثواب عبارة عما يقابل الإطاعة التي لا تتحقق إلا بالإتيان بالمأمور به و ليس هنا مأتي به بعنوان كونه مأمورا به و لكن يترتب عليه كمال نفس الفاعل و القرب لديه تعالى و لا يبعد ان يقال انه يحصل ارتفاع الدرجة و ان لم يسم ذلك ثوابا لما عرفت خلافا لبعض من تأخر فإنه لم يلتزم به و لكنه خص عدم الالتزام به بما إذا فعل المحبوب الذي لم يرد به بخصوصه أمر من الشارع على وجه العبادة و اما إذا فعل المحبوب الّذي هو عبادة بالمعنى الأخص بعنوان مجرد كونه حسنا فإنه يحصل منه تلك العبادة و يثاب عليها و لا يلزم القصد الى كونها مأمورا بها بخصوصها
قوله مع إمكان التمثيل للمستحب بمثل الزراعة و الرعي ممّا ندب اليه الشرع و للواجب بالصناعة الواجبة كفاية خصوصا إذا تعذر قيام الغير به فتأمل
هذا إيراد على ما ذكره الجماعة من تقسيم المكاسب الى ثلاثة أقسام و يدل على الندب إلى الزراعة ما في التذكرة حيث قال فيها انه سئل هارون بن يزيد الواسطي الباقر (عليه السلام) عن الفلاحين فقال هم الزارعون كنوز اللّه في أرضه فما في الأعمال أحب الى اللّه من الزراعة و ما بعث اللّه نبيا الا زارعا إلا إدريس (عليه السلام) فإنه كان خياطا و روى في غيرها من كتب الاخبار مسندا هذا و لا يخفى عليك ان المثالين الأولين و هما الاكتساب بالزراعة و الاكتساب بالرعي مطابقان للممثل له و هو الاكتساب المندوب باعتبار متعلقة و ان المثال الأخير أعني الصناعة الواجبة غير مطابق لان الوجوب فيها انما عرض الفعل باعتبار العوارض اللاحقة و لم ينشأ وجوبه من متعلقة و هو ظاهر و الى هذا أشار بالأمر بالتأمل في ذيل الكلام ثم انه تعرض بعض من تأخر لدفع إيراد (المصنف) بان تقسيم المكاسب الى ثلاثة أقسام محرم و مكروه و مباح انما هو باعتبار متعلقها لا باعتبار عنوانات أخر و انما يتحقق ذلك بان يكون المتعلق الّذي هو ما يكتسب به بخصوصه متصفا بمعنى موجب لتعلق الحكم بالاكتساب به كما في الاكتساب بالخمر مثلا فإنه لما كان في الخمر معنى موجب لحرمته بخصوصه صار ذلك سببا لتعلق حكم الحرمة بالاكتساب به و هذا الاعتبار الذي ذكر لا يجري في استحباب الزراعة لان استحبابها انما هو لاستحباب مطلق التكسب و بعد استحباب مطلق التكسب و بعد استحباب مطلقه و ان كان خصوص الزراعة مستحبا الا ان ذلك انما هو من جهة كونه فردا محصلا للكلي على وجه أوفق بغرض الشارع ككون الزرع أقرب الى القوت و أقوى في تحصيل بقاء النوع فليست الزراعة كالنافلة مثلا بان تكون بنفسها مندوبة و استحبابها انما هو لكونها محصلة للاكتساب بل نقول ان استحبابه (أيضا) ليس لنفسه بل لتحصيل القوت فمن كان مستغنيا عن تحصيل القوت واجدا له لا دليل على استحباب الاكتساب في حقه فكذا الزراعة فالحاصل أن لزراعة بعنوان أنها زراعة ليست كالنافلة مندوبة بعنوانها هذا ما افاده ذلك البعض في المقام فان قلت قد روى مسندا عن ابى بصير انه قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول انى لأعمل في بعض ضياعي حتى أعرق و ان لي من يكفيني ليعلم اللّه عزّ و جل انى أطلب الرزق الحلال فان هذه الرواية انما تدل على ان الاكتساب بنفسه مستحبّ و الا لم يكن يلتزم به أبو عبد اللّه (عليه السلام) مع وجود من يكفيه قلت هذه الرواية انما تدل على استحباب المباشر بنفسه في مقابل التسبيب حيث انه (عليه السلام) باشر بنفسه و لم يكتف بعمل من يكفيه و لهذا ذكرها في الوسائل في باب استحباب العمل باليد كيف لا و قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية ليعلم اللّه عز و جل انى أطلب الرزق الحلال يدلّ على ان استحباب الاكتساب ليس لنفسه و انما هو لتحصيل الرزق فان قلت هذه الرواية تبطل ما ذكر من ان من كان مستغنيا عن تحصيل القوت واجدا له لا دليل على استحباب الاكتساب في حقه لانه مع وجود من يكفيه يكون مستغنيا قلت هذه مغالطة إذ لا ملازمة بين وجود من يكفيه و وجود القوت فيمكن انه (عليه السلام) لم يكن له قوت موجود و لكن كان معه من يكفيه من مباشرة تحصيله بنفسه فباشره بنفسه فدل ذلك على ان المباشرة باليد مندوبة و اين هذا من استحباب الاكتساب مع وجود القوت بل ذيل الرواية يدل على انه لم يكن واجدا للرزق و الا لم يكن لطلبه معنى فان قلت رواية هارون بن يزيد الواسطي المتقدم ذكرها تدل على كون الزراعة بخصوصها أحب الأعمال فكيف أنكرت كونها بعنوان أنها زراعة مندوبة قلت هذه الرواية لا تدل على ان الزراعة بعنوان أنها زراعة مندوبة كالنافلة غاية ما في الباب انها كما تلائم كون الزراعة أفضل افراد الكسب باعتبار كونها أقرب الى القوت و أقوى في حفظ النوع كذلك تلائم كون الزراعة بعنوان أنها زراعة مندوبة فلا تفيد تعيين شيء منهما فتبقى محتملة للأمرين لو لم ندع ان الأظهر هو الأول فتدبر