غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥٩ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
عن القيد و فيما نحن فيه المقيّد موجود و هو مرسل السّرائر الذي عرفته فإنّه قيد بالضمان و قد عرفت انّه مؤيد بالإجماع المنقول و عدم وجود الخلاف فهو حجة و قد نفى (رحمه الله) الإطلاق الساكت عن ذكر الضمان و نفى الإطلاق الموصوف بالسّكون لا يقتضي انتفاء غير الموصوف به و السّر فيما ذكر واضح لأن الإطلاق السّاكت انّما يستدلّ به من باب ان السّكوت في مقام البيان يقتضي عدم اعتبار السكوت عنه و بعد ورود المقيّد و لو بدليل منفصل لا يكون الإطلاق ساكتا لانه يكشف عن كون المطلق قد أريد به المقيد من أوّل الأمر فتدبر
قوله الا ان يقال انّه ضامن بمجرد التصدق و يرتفع بإجازته فتأمل
الأمر بالتأمل للإشارة إلى توهين ما استدركه بقوله الا ان يقال (انتهى) من جهة كونه مخالفا للاخبار و كلمات الأصحاب الا ترى الى مرسل السرائر حيث وقع التصريح فيه بقوله و يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل و الى ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) في لك بقوله و لو ظهر بعد ذلك و لم يرض بالصّدقة ضمن له المثل أو القيمة حيث علق الضمان على عدم الرّضا بعد الظهور
قوله اما تحكيما للاستصحاب حيث يعارض البراءة و لو بضميمة عدم القول بالفصل
أورد بعض المعاصرين على استصحاب الضمان في صورة سبق يد الضمان بضميمة عدم القول بالفصل بينها و بين صورة عدم سبق يده بقوله و في الضميمة تأمل كالمنضم اليه بعد توجه الأمر بالصّدقة و قال بعد جملة من الكلام و قد يحتمل الضمان مع سبق يده خاصة للاستصحاب الحاكم على الأصل و فيه مع تسليم اعتباره في نحو المقام ان إطلاق الأمر حاكم عليه (أيضا) و الا كان مقتضى جواز الرجوع بالعين مع بقائها عند الفقير و لم يقل به أحد انتهى فتحصل من مجموع ما ذكره إيرادات ثلاثة أولها عدم جريان الاستصحاب في هذا المقام و هذا الوجه أورده بعض مشايخنا (أيضا) مصرحا بان مراد الأصحاب (رضي الله عنه) ليس هو ترتيب الضمان بمجرّد التصدق حتى يشك في بقائه بعد ظهور المالك فيستصحب بل مرادهم هو التضمين بمعنى ان لصاحب المال ان يضمن المتصدّق فالضمان الأوّل قد زال بالتصدق المأمور به من جانب الشارع فالمقصود إثبات ان لصاحب المال ان يضمن المتصدق و هذا الضمان أمر حادث بتضمين المالك و اختياره العزم فيحتاج الى دليل و ليس له حالة سابقة حتى يستصحب و الا كان حكم الضمان ثابتا بعد ظهور المالك و قبل اختياره العزم بحكم هذا الاستصحاب و لم يقل به أحد من الأصحاب و ليس هذا مرادهم بل كان ثابتا قبل ظهور المالك و بعد التصدّق لجريان هذا الاستصحاب فالحاصل ان ما حكم به الأصحاب انّما هو جواز ان يضمن المالك المتصدق و هو الذي عبّروا عنه بان له ان يختار العزم فيضمن المتصدق و هو غير مسبوق بالعدم بل مقتضاه ان الضمان السابق قد ارتفع بالتصدق فلا يثبت ما أفتوا به باستصحاب الضمان الثابت باليد ثانيها ان إطلاق الأمر بالتصدق عقيب ذلك الضمان الثابت باليد حاكم عليه ثالثها ان عدم القول بالفصل ممنوع و هذا الوجه بظاهره لا وجه له إذ لم يوجد قول بالفصل من أحدكما لم يوجد قول بنفي الضمان (مطلقا) باعتراف المعاصر المذكور في الثاني و هيهنا وجه أخر في الاستدلال على الضمان عند اختيار المالك إياه قد يسبق الى بعض الأوهام و هو ان التصرف في ملك الغير بغير اذنه غير جائز خرج عنه التصدّق على وجه يضمنه و بقي غيره تحت أدلّة حرمة التصرف و لكن لا يخفى على الناقد البصير ان هذا لا وجه له لان مقتضى هذا الوجه هو ان يكون من بيده المال يجب عليه ان يتصدق ناويا للضمان عازما على الخروج من عهدة المال و ليس هذا من مقصد الأصحاب و انما قصدوا ان للمالك ان يضمن المتصدق فهو من الأحكام عندهم لا مما لا يجب ان يقصد و يعتبر في عنوان الفعل الذي هو التصدق و ثبوت الضمان لو اراده المالك لا يعقل ان يكون مخرجا لفعل المتصدق عن عنوان حرمة التصرف لأن إخراجه فرع صلاحيته لصيرورته قيدا للفعل منوعا له و هو فرع كون القيد فعلا له و ليس (كذلك) بل هو فعل غيره و خارج عن اختياره بل لا علم له به أصلا و محصّل الكلام في المسئلة ان الاحتمالات الجارية هنا لا تخلو عن وجوه أحدها ان يكون الحكم بالضمان ثابتا من أوّل الأمر اعنى من حين التصدق الا ان للمالك ان يرفع الضمان بإمضاء التصدق و هذا و ان كان لا يجرى فيه بعض الأدلّة كاستصحاب ضمان اليد متمما بعدم القول بالفصل من جهة ان ثبوت الضمان بالتصدق غير الضمان الثابت سابقا باليد العادية الا ان بعض الأدلة يجري مثل قاعدة الإتلاف لكن ليس هذا مراد الأصحاب كما هو مقتضى تعبيرهم بأنه يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل و نحوه من التعبيرات المفيدة لمعناه مضافا الى ان لازم ذلك هو ان يجرى عليه بعد التصدق حكم الدين و لا يلتزمون به كما عرفت البيان ثانيها ان يكون الحكم هو الضمان من أول الأمر لكن مراعى بعدم الإجازة من المالك و هذا الوجه يندفع أوّلا بأنه ليس من مقصد الأصحاب لأن لازمه جواز ان يرجع المالك الى العين إذا وجدها باقية في يد الفقير و لم يقل به أحد و لو توهم متوهم احتمال كون تحقق التصدق مراعى بإجازة المالك كالفضولي رفعناه بظاهر النص و الفتوى المناطقين بتنجز التصدق و انّما الكلام في الضمان و باستلزامه عدم جواز تصرف المتصدق عليه الا بعد ظهور المالك و أجازته لعدم الجواز قبلها كما هو (كذلك) في المشتبه مع وضوح بطلانه قطعا بالنص و الفتوى و السيرة مستمرة على إجراء أحكام الملك عليه و ثانيا بأنه يحتاج الى دليل خاص يدلّ عليه و لا يكفي في إثباته أدلّة الضمان الواردة على وجه الإطلاق و ليس
فليس و أورد بعض مشايخنا على هذا الوجه بان لازمه ان لا يجوز للفقير التصرّف فيه الى ان يتحقق الإجازة من المالك و لا ارى لهذه الملازمة وجها لان المفروض ان المتصدق صار ضامنا بالتصدق لإخراج المال به عن ملك المالك و صار الضمان مراعى بعدم اجازة المالك فالذي وجد مراعى انما هو الضمان دون التصدق نعم لازم كون تحقق نفس التصدق مراعى هو ذلك و قد ذكرناه و اين هو من كون الضمان مراعى و الفرق بين الوجه الأوّل و هذا الوجه هو ان الضمان في الأول ثابت الا ان للمالك ان يرفعه بإمضاء التصدق و في الثاني الضمان متزلزل كبيع الفضولي مراعى بعدم اجازة المالك فإمضاء التصدق في الأوّل بالنسبة إلى الضمان أشبه شيء بإقالة النادم و عدم اجازة المالك في الثاني بالنسبة إلى الضمان بمنزلة إجازة الفضولي الموجبة لاستقرار البيع ثالثها ان يحدث الضمان بعدم رضى المالك بما فعله المتصدق و تضمينه إياه و هذا هو مراد أصحابنا و لكن