غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩٣ - المسألة الثانية عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغش
الغير أو من دون مباشرة أحد بل اتفق قهرا لم يكن مندرجا في عنوان الغش و ان كان مثله في الحكم عليه بالحرمة كما عن بعض الأساطين في شرحه على القواعد و يندفع بأن إخفائه في حال المعاملة يوجب صدق الإتيان بما هو خلاف النصح و إظهار خلاف ما يعلمه فيندرج تحت عنوان الغش موضوعا و لا يصير من قبيل ما هو ملحق به في الحكم هذا و لكن الإنصاف انه لو اتفق المزج مثلا بفعل الغير أو بسبب من جانب اللّه تعالى فمجرد التعرض لبيعه على ذلك الوجه لا يسمّى غشا بل لا بد هناك من صدور فعل منه يوجب الخيانة و إظهار خلاف ما أضمر كما هو الشأن في جميع موارده فيتحقق تارة بمباشرة المزج أو غيره ممّا يوجب النقص و العيب و اخرى بإظهار صفة الكمال لما ليس فيه تلك الصّفة و ثالثة بالتعرض لاخفاء ما فيه من العيب أو النقص كتعمد البيع تحت الظّلال لذلك أو لإظهار الناقص كاملا و اما إذا سكت عن البيان في صورة عدم كون العيب أو النقص أو المزج بفعله و لم يتعرض لإظهار الكمال أو إخفاء النقص لم يكن ذلك من الغش و لم يجب عليه الإظهار خصوصا إذا كان النقص أو العيب ممّا يغلب في نوع المبيع كالحيوان مثلا فإنه قلما يخلو عن عيب أو نقص خفي و لهذا قرر الشّارع فيه الخيار ثلاثة أيام للمشتري فلا دليل على وجوب بيان العيب و النقص فيجوز للبائع ان ببيعه ساكتا عن بيانهما و يدلّ على ذلك انه لم يقل أحد بحرمة بيع المعيوب بل حكموا بجوازه و قد حكموا بحرمة الغش و انه لم يقل من قال بفساد بيع المعيوب كالمحقق الأردبيلي (رحمه الله) بفساد البيع عند الغش نعم لو اعتمد المشترى على البائع اما بان يقول له ان كان فيه نقص فبينه فسكت و لم يبين و كان المشترى معتقدا بأن البائع في مثل هذا المقام لا يخفى عليه أو بان أظهر البائع نفسه للمشتري ناصحا في حقه بحيث لا يخونه و لو بملاحظة عادته السّابقة معه في المعاملات فسكت كان ذلك غشا سواء كان النقص أو العيب بفعله أم لا ثم انّ منهم من زاد على كون وجود ما يتحقق به الغش مستندا الى فعله انه يعتبر في حرمته كونه قاصدا للغش كصاحب الرّياض (رحمه الله) فيكون حرمة الغش عنده دائرا مدار القصد قال (رحمه الله) ثمّ لو غش لكن لا بقصده بل بقصد إصلاح المال لم يحرم للأصل و اختصاص ما مر من النصوص بحكم التبادر بصورة القصد و للصحيح عن الرّجل يشترى طعاما فيكون أحسن له و أنفق ان يبله الى أخر الحديث هذا و أورد عليه بوجوه الأول ان مورد الرّواية انّما هو بلّ الطّعام و هو من الأوصاف و النقائص الظاهرة فاعتبار القصد في كونه من الغش لا يدل على اعتباره في مطلق الأوصاف و النقائص الّتي منها غير الظاهرة فنقول انه يكفى في غير الظاهرة إيجادها و لو من غير قصد الثاني انه بعد الاستناد إلى الرّواية لا وجه للتعدي عن موردها المشتمل على خصوصيات الى غيره فلا بد من الاقتصار في الحكم بإناطة الغش بالقصد على خصوص بلّ الطعام لغرض الإصلاح من دون التماس الزّيادة مع كونه لا يصلحه الا ذلك و لا ينفعه غيره فلو انتفى شيء من القيود المذكورة لم يكن وجه للتعدي و الحكم بإناطة مطلق الغش بالقصد الثالث ان للبيع بعد مزج الجيد بالرّدي قد يكون بما يزيد عن قيمة الممزوج بالرّدي و قد يكون بما يساويه و الثاني ليس محرما كما صرّح به جماعة و لو سمى غشا و (حينئذ) نقول ان الصّحيح الذي ذكره ناظر الى بيان انه في صورة البيع بما لا يزيد عن قيمته لا إشكال في الجواز على خلاف ما لو باع بما يزيد عن قيمته فقوله (عليه السلام) من غير ان يلتمس فيه زيادة أريد به اشتراط انتفاء طلب الزيادة في الثمن في الجواز فان قلت المراد بالزيادة هي الزيادة في المبيع يعنى زيادته بحسب الوزن و ثقله في الميزان لا بحسب الثمن و المقصود ان لا يكون البائع طالبا لزيادة المبيع و ثقله و ان حصلت قهرا بالنداوة و على هذا فلا يفيد الا مقصد صاحب الرياض (رحمه الله) من اعتبار القصد لان محصّله (حينئذ) هو انه و ان كان قاصدا لزيادة الوزن حرم و الا فلا قلت لا دليل على ارادة معنى زيادة الوزن و غاية ما هنا هو تردد اللفظ بين المعنيين و سريان الإجمال و يكفي في عدم تمامية استدلال صاحب الرياض (رحمه الله) قيام الاحتمال اعنى احتمال
ارادة ما فسّرنا به الرّواية فلا يثبت ما ادعاه لتوقفه على تعيين ارادة معنى زيادة الوزن و لم يتعين إرادته فلا بد في المشكوك فيه و هو ما لو لم يقصد فيه الغش من الرّجوع الى إطلاق ما دل على تحريم الغش الشامل لما قصد به الغش و غيره و يؤيد ما ذكرناه ان مقتضى رواية داود بن سرحان هو ان البائع لم يقصد الغش و مع ذلك حكم الامام (عليه السلام) بالمنع الا مع الاعلام الرّابع ان قوله (عليه السلام) لا يصلح لا يفيد أزيد من الكراهة و عندي ان شيئا من الوجوه المذكورة غير متجه عليه امّا الأول فلان صاحب الرياض استدل على اعتبار القصد بان المتبادر من الاخبار الناطقة بحرمة الغش هو صورة القصد و هو في محله و الاخبار المشار إليها وافية بالدلالة على تمام مطلبه ممّا كان مورد الغش هو النقص الظاهر أو الخفي فلا بأس بأن يدلّ الصّحيح المذكور على بعض مدعاه و هو اعتبار القصد في حرمة الغش إذا كان تحققه بنقص ظاهر فإن غاية ما هناك أن الصّحيح ساكت عن حال الخفي و الا فليس نافيا لاعتبار القصد فيه و امّا الثاني فلجواز التعدي عن المورد المشتمل على الخصوصيات الى غيره بتنقيح المناط القطعي للعلم بعدم مدخليتها و بعدم القول بالفصل و بهذا الوجه يمكن دفع الإيراد الأوّل (أيضا) و امّا الثالث فلان مقابلة قوله (عليه السلام) ان كان بيعا لا يصلحه الا ذلك و لا ينفعه غيره من غير ان يلتمس فيه زيادة فلا بأس بقوله (عليه السلام) و ان كان انّما يغش به المسلمين فلا يصلح قرينة على ان المراد بالزيادة هي الزيادة بحسب الوزن لان طلب زيادة الثمن لا يسمى غشا و الغش انما هو ما يترتب عليه الزيادة في الثمن و هو هنا زيادة وزن المبيع فمعنى قوله (عليه السلام) و ان كان انّما يغش به المسلمين هو انه ان كان يزيد في وزن الطعام و يثقله ليترتب عليه زيادة الثمن و مقابلته للفقرة الأولى تدل على ان الزيادة المنفية فيها هي الزيادة التي هي غش و هي زيادة المبيع بحسب الوزن فيتم ما ذكره صاحب الرياض (رحمه الله) و امّا ما ذكره المورد من تأييد رواية داود بن سرحان لمدعاه ففيه ان بلّ المسك المشتملة عليه انما كان قصدا و طلبا لزيادة الثمن لا لمجرد الإصلاح فلا ينافي مدعى صاحب (الرياض) (رحمه الله) من اعتبار قصد الغش و انه لو كان لمجرد الإصلاح فليس بمحرّم و امّا الرّابع فلان كون لا يصلح دليلا على الكراهة لا يزاحم مدعاه لان هذا اللفظ انّما هو في الفقر الأخيرة و هي قوله (عليه السلام) و ان كان انما يغش به المسلمين فلا يصلح و المورد كغيره لا يقول بكراهة الغش و التزام التأويل فيه ممّا لا مناص منه لأحد على فرض ظهوره فيها تنبيه المدار في حرمة الغش انما هو على الشخص دون النوع فلو علم البائع ان المشترى يتفطن للعيوب الخفية ثم وقع منه ذلك في الخارج لم يحرم بيعه عليه لعدم تحقق الظلم في حقه بل لا يتحقق (حينئذ) موضوع الغش من جهة علمه بالحال كما انه لو انعكس الأمر فعلم البائع ان المشترى لم يتفطن للعيب الواضح الذي من شانه الاطلاع عليه اعتمادا على إظهار البائع سلامة المبيع كان بيعه ذلك حراما اما لو اشتبه الحال على البائع فشك في ان المشترى تفطن للعيب أم لا (فالظاهر) عدم تحريم البيع لأصالة البراءة و لا يشمله إطلاق الاخبار الدالة على حرمة الغش ضرورة انه مع الشك في تحقق موضوع الغش لا يبقى مجال لتحقق حكمه الذي هو التحريم
قوله