غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤٢ - النوع الخامس مما يحرم التكسب به
و إنقاذ الغريق و غير ذلك مع انّ منها ما يشغل الإنسان طول نهاره و امّا الصّحيح الّذي هو عبارة عن صحيحة هشام بن الحكم (فالظاهر) انّه ترك التفصيل فيها اعتمادا على التصريح به في الآية فيقيّد بالآية كما تفسر به فيحمل (الظاهر) من كلّ منهما على الأظهر من الأخر فتدبر و امّا ما ذكره من وضوح فساد دعوى ان له بذل الأجرة للغير دون نفسه فهو مجرّد استبعاد
قوله ثم انّه قد يفهم من أدلّة وجوب الشيء كفاية كونه حقّا المخلوق يستحقه على المكلفين
هذه القضيّة جزئية لا تسرى في جميع الواجبات الكفائية كما أشار (رحمه الله) الى ذلك بتصدير الجملة المضارعيّة بلفظة قد
قوله و فيه ما تقدّم سابقا من انّ الأقوى عدم جواز أخذ الأجرة عليه
يعنى على المعين و قد تقدم في أوّل التفصيل الّذي ذكره في تحقيق أخذ الأجرة على الواجبات بقوله فان كان عينيا تعيينيّا لم يجز أخذ الأجرة عليه و أشار إليه أيضا قبل ذلك بقوله أقول لا يخفى ان الفخر اعرف بنصّ الأصحاب من المحقق الثاني (رحمه الله) فهذا والده قد صرّح في المختلف بجواز أخذ الأجرة على القضاء إذا لم يتعين
قوله و فيه ان المشاهد بالوجدان ان اختيار الناس للصنائع الشّاقة و تحملها ناش عن الدّواعي الأخر غير زيادة الأجرة
(انتهى) الظّاهر انّ غرضه انّما تعلّق بالإيراد على الجزء الأخير من التوجيه و هو قوله أو ترك الشاق منها و الالتزام بالأسهل و الّا فما ذكره في الإيراد لا يدفع الجزء الأوّل و هو وقوع أكثر الناس في معصية بتركها لأنّهم إنّما يلتزمون بالعمل بالصنائع لتحصيل الأجرة فلو كلّفوا بها مجانا لم يلتزموا بها و يلزم وقوعهم في المعصية
قوله و لو كانت هي الشّرط في وجوبه
كلمة لو وصلية و الضمير يعود إلى أجرة يعني و لو كانت الأجرة هي الشرط في وجوبه
قوله لتأخر الوجوب عنها و عدمه قبلها
أي لتأخر الوجوب عن الأجرة كما هو قضية الشرطية ضرورة انّ المشروط متأخر عن الشّرط طبعا و هذا هو الوجه في عدم الوجوب قبل الأجرة
قوله كالغائب الّذي يعمل في ماله عمل لدفع الهلاك عنه
كلمة يعمل بصيغة المجهول و لفظ عمل مرفوع بها على انّه نائب عن الفاعل و المراد بالعمل ماله اجرة و التقييد بقوله لدفع الهلاك عنه للإشارة الى ما يسوغ التّصرف في مال الغائب
قوله و انّما وقع الخلاف في تعيينه
فقيل بأنّه أجرة المثل و قيل بأنّه مقدار الكفاية و قيل بأنّه أقلّ الأمرين و قد قدمنا تفصيل القول فيه عن قريب فراجع
قوله فهو من قبيل بذل المال للمضطر و امّا من قبيل رجوع الوصي بأجرة المثل
ان قلنا بان العوض الّذي تأخذه انّما هو عوض اللبأ كان من قبيل بذل المال المضطر و ان قلنا بأنّه عوض العمل و هو الإرضاع كان من قبيل رجوع الوصي بأجرة المثل و مدرك جعله من قبيل القسم الأخير هو التعبير بالأجود في الآية
قوله و امّا المستحب
قال بعض من تأخّر انّ المندوبات يصحّ أخذ الأجرة عليها في كلّ مورد جاز التّبرع بها ابتداء و الإتيان بها على وجه النّيابة عن الغير تبرّعا أو الإتيان بها و إهداء ثوابها الى الغير تبرّعا بعد الفراغ منها و قد تحقّق التبرّع بالمندوبات عن الأموات قطعا من حج أو طواف أو زيارة أو صلاة نافلة أو غير ذلك لدلالة الاخبار على انّ الميّت يتسع له بما يهدى اليه من اعمال الخيرات و لا خلاف في ذلك الا ما يحكى عن الشهيد الثاني (رحمه الله) من منعه عن صلاة النّافلة عن الميّت و صحّة الحكاية غير معلومة و امّا الأحياء فقد ثبت التبرّع في حقّهم بما عدا الصّلوة و الصّوم من الزّيارة و الطواف و غير ذلك من المندوبات حتّى ما يستحبّ إضافته إلى الواجبات كمندوبات تجهيز الموتى مثل ما زاد على الواجب من الغسلات و التكفين في القطع الزّائدة و التعميق في القبر فيجوز أخذ الأجرة عليها خلافا للقاضي في هذا القسم اعنى مندوبات تجهيز الميّت حيث حكى عنه المنع من أخذ الأجرة على ذلك و لكنّه لا دليل على ما ذهب إليه لأن دليله لا يخلو عن أمور ثلاثة أحدها النّص و قد ادعى بعضهم قيامه بما ذهب اليه بمعنى إطلاق النّهي عن الأجرة بحيث يشمل مندوبات تلك الأفعال كواجباتها لكنّه مجرّد دعوى إذ لا اثر له في شيء من مضانه و حكى عن كثير منهم الاعتراف بعدم العثور عليه ثانيها ان للميت حقا على الأحياء ثابتا و هو انّ يجهّزوه على الكيفيّة الّتي وردت في الشرع من واجبة و مندوبة فكيف يجوز أخذ الأجرة على ما يستحقه غيره عليه و فيه ان ثبوت حق للميّت على الأحياء في تجهيزه كثبوت حق الأحياء من رد السّلام و نحوه ممنوع خصوصا بالنّسبة إلى المندوبات بل نقول ان واجب تلك الأفعال و مندوبها تكليفات من جانب اللّه تعالى لا يفهم من أدلّتها طلب الإتيان بها مجانا غاية ما في الباب قيام الإجماع على عدم جواز أخذ الأجرة على واجباتها فيبقى مندوباتها تحت أصل الإباحة ثالثها ان الفرد المشتمل على المندوبات من افراد الواجب غاية ما في الباب انّه أفضل من غيره من الافراد فالاستئجار عليها استيجار على الواجب (أيضا) كما أشار إليه صاحب الجواهر (رحمه الله) بل هو (رحمه الله) جعل هذه القاعدة سارية في سائر أفراد الواجب المشتملة على المندوبات و يظهر اثر ما أفاده في قصد الوجوب بذلك الفرد المشتمل على المندوب فيجوز قصده به على ما افاده و لا يلزم قصد الندب بتلك الزّوائد المندوبة و فيه انّه مع تسليم ذلك نقول ان دليلهم على حرمة أخذ الأجرة على الواجب انّما هو الإجماع و نحن نعلم قطعا انّهم لا يلتزمون بحرمة الأجرة على مثل هذا الواجب المؤلف من الواجب و المندوب باعتبار جزئه المندوب فلم يريدوا بالواجب الّا ما هو واجب صرف بدليل انّهم صرحوا بجواز أخذ الأجرة على مثل هذه المندوبات الزّائدة و قال في الرّياض في شرح قول المحقّق (رحمه الله) في عداد المكاسب المحرّمة السّادس أخذ الأجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات و تكفينهم و حملهم و دفنهم ما لفظه و يستفاد من العبارة جواز أخذ الأجرة على الأمور المندوبة كالتغسيل ثلثا و التكفين بالقطع المستحبّة و نحو ذلك و لا ريب فيه وفاقا للأكثر للأصل و انتفاء المانع من الإجماع و غيره و هو منافاة الأخذ للإخلاص فإن غايتها هنا عدم ترتب الثواب لا حرمة مع إمكان ترتبه (حينئذ) أيضا يعد إيقاع عقد الإجارة فإنها بعده تصير واجبة و تصير من قبيل ما لو وجبت بنذر و شبهه و لا ريب في استحقاق الثواب (حينئذ) و وجهه ان أخذ الأجرة (حينئذ) صار سببا لوجوبها عليه و معه يتحقق الإخلاص في العمل لكونه (حينئذ) لمجرّد الإطاعة و الامتثال للّه سبحانه و ان صارت الأجرة منشأ لتوجّه الأمر الإيجابي اليه و هو واضح و به يتضّح جواز أخذ الأجرة على الصلاة عن الأموات بعد إيقاع عقد الإجارة بل لعل له قبل إيقاعه أيضا وجها فالقول بعدم جواز أخذ الأجرة على الأمور المندوبة أيضا ضعيف انتهى و أورد عليه بعض من تأخر أوّلا بأنّه إذا جرد الفعل المندوب عن الإخلاص و ترتب الثواب عليه خرج عن كونه مندوبا بل كان الإتيان به على ذلك الوجه تشريعا محرّما فكيف يتصف بالوجوب بعد ذلك و من هنا يعلم ان جعله من قبيل ما لو وجب بنذر و شبهه (أيضا) لا وجه له لانّ المنذور انّما