غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩٤ - المسألة الثانية عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغش
فالعبرة في الحرمة بقصد تلبيس الأمر على المشترى سواء كان العيب خفيا أم جليا كما تقدم لا بكتمان العيب (مطلقا) أو خصوص الخفي و ان لم يقصد التلبيس
محصله أن إخفاء عيب المبيع من الحيوان و غيره و مجرد عدم إظهار صفته الذميمة لا يدخل في الغش فلا يحرم فلا يجب الاعلام بالعيب المذكور و هذا هو الّذي يظهر من ابن إدريس (رحمه الله) و المحقق (رحمه الله) و العلامة (رحمه الله) فيما حكى عنهم من استحباب الاعلام بالعيب (مطلقا) سواء كان خفيا أم جليا و يستفاد من تمثيلهم هنا للغش بمزج اللبن بالماء و نحوه و يؤيده أمور أحدها انه لو كان كتمان العيب (مطلقا) غشا حراما لزم حرمة بيع الحيوان غالبا لان الناس في الأكثر انما يبيعون ما فيه عيب من الحيوان و يكتمون عيبه و ثانيها ان أصحابنا (رضي الله عنه) مع اختلافهم في صحة بيع المغشوش اتفقوا على صحة بيع المعيب غاية ما هناك انهم التزموا بثبوت الخيار للمشتري و لو كان مطلق كتمان العيب غشا كان اللازم وقوع الخلاف في صحة بيع المعيب (أيضا) و ثالثها عدم صدق الغش عرفا على إخفاء العيب و الصفة الذميمة و لهذا لم يعبر فقهاؤنا بإخفاء العيب و انّما عبروا بالغش المغاير له عرفا هذا و لكن حكى عن موضع من (المبسوط) ان من باع شيئا فيه عيب لم يبينه فعل محظور أو كان المشترى بالخيار و نحوه عن (الخلاف) و عن موضع أخر وجب عليه ان يبينه و لا يكتمه أو يتبرء اليه من العيوب و الأول أحوط و نحوه عن فقه الراوندي و التحرير و ظاهر الجميع صدق الغش على إخفاء المعيب كما صرّح به فيما حكى عن التحرير من الاستدلال عليه بقوله لئلا يكون غاشا بل ظاهرهم صدق الغش على إخفاء العيب (مطلقا) خفيا كان أو جليّا و ان كان بعض مشايخنا منع من صدقه بالأخير لما عرفت من دعواه اعتبار الخفاء في حقيقة الغش و يبقى الكلام بالنسبة إلى العيب الخفي فهل يتحقق بإخفائه الغش أم لا فنقول ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) غير بعيد و ان كان يؤيد الثاني ما تقدم من ان الظاهر من كتب اللغة ان الغش خلاف النصح فإنّه يشمل كتمان العيب ايضا
قوله ثم ان الغش يكون بإخفاء الأدنى في الأعلى كمزج الجيد بالردي أو غير المراد في المراد كإدخال الماء في اللبن و بإظهار الصفة الجيدة المفقودة واقعا و هو التدليس و بإظهار الشيء على خلاف جنسه كبيع المموّه على انه ذهب أو فضة
و من هذا القبيل بيع لحم الجاموس أو البعير على انه لحم الغنم أو بيع الأسراب على انه فضة و لو بعد تصرف فيه بما يقربه منه فهذه أربعة أقسام و بقي وضع الحرير في المكان البارد ليكتسب ثقلا خارجا عمّا ذكره من الأقسام و قد صرّح بدخوله سابقا في الغش الا ان يتكلف بما قدمنا ذكره و يبقى أيضا أمر أخر و هو البيع تحت الظلال و ما في معناه كالبيع في الظلمة و قد صرّح في رواية هشام بان البيع تحت الظلال غش الا ان يرجع الى إظهار الصّفة الجيدة المفقودة واقعا بعد تعميمه على وجه يشمل إخفاء العيب بتقريب ان عدم العيب عبارة عن الصّحة و هي كون الشيء على ما يجب ان يكون عليه بحسب نوعه أو صنفه و هي صفة جيدة مفقودة في المعيوب فإظهار المعيوب في ذي غير المعيوب يصير إظهار صفة جيدة مفقودة واقعا و هي الصّحة هذا و قد علم من بيانه (رحمه الله) ان التدليس أخص من الغش حيث عده قسما منه فتحمير وجه المرأة و نحو ذلك غش و توضيح المقام ان النقص الذي يمكن ان يتحقق فيه الغش يتصور على وجوه لان سببه امّا ان يكون مزج المبيع بغير جنسه كشوب اللبن بالماء أو مزجه بجنسه كالجيد من الحنطة مثلا بالردي أو يكون غير المزج و هو قد يكون بضم الجيد الى الرّدى من دون مزج و بيعهما صفقة مع إظهار كون الردى مثل الجيد في الوصف و قد يكون بدون ضم شيء أخر و انّما يكون بعيب فيه أخفاه بإبداء وصف بستره كتحمير وجه الجارية السّاتر لصفرة بشرتها إذ عدم إظهاره مع كونه مستورا كما في الأرز الذي اصابه الماء ثم يبس و قد يكون بتغييره عما هو الواقع إلى الأدنى لمصلحة نفسه كبّل الطعام اليابس لزيادة الوزن و مثله وضع الحرير أو التتن في المكان الندى ليكتسب ثقلا و قد يكون بتلبيس السلعة و ابدال ما هو المقصود من صنفي النوع بما هو غير مرعوب و غير مقصود كما لو باع لبن البقر مكان لبن الجاموس و قد يكون بالتعرض للبيع في مكان يوجب خفاء النقص و العيب كالبيع في الظلال و قد قال الصّادق (عليه السلام) البيع في الظلال غش و الغش لا يحل و قد يكون ببيع المتاع بالوصف لكن مع كون الوصف مخالفا للواقع بمعنى كون الموصوف اردأ من العنوان الذي وقع عليه الوصف و ان كان في بعض الصور المذكورة يبطل البيع كما لو خرج المبيع بالغش عن الحقيقة و بعبارة أخرى باع حقيقة بدل حقيقة أخرى و في بعضها يثبت للمشتري خيار العيب أو التدليس أو الوصف و بما ذكرناه ظهر سقوط ما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث خص الغش بالمزج قال (رحمه الله) الغش بما يخفى اى مزج شيء من غير جنس المبيع ليستر به عيبه أو يجعله أكثر بحيث لا يكون ظاهرا بل كان خفيّا كشوب اللبن بالماء لا كمزج التراب بالحنطة و جيدها برديها فان ذلك قيل لا يحرم بل يكره هذا كلامه (رحمه الله) ثم انه في المستند بعد ذكر أكثر الأقسام التي ذكرنا قال ثم على جميع التقادير اما ان يكون النقص خفيا حال المعاملة عرفا أو غير خفي بل يكون ممّا يعرف غالبا و على الأوّل امّا ان يكون ممّا يظهر النقص حال المعاملة بالفحص و يكون خفاؤه لتقصير المشتري أولا يظهر بالفحص و على الثاني امّا ان يعلم تفطن المشترى به أو عدم تفطنه أو لا يعلم و على التقادير اما ان يبيعه على ما هو المتعارف في الخالي عن النقص من السعر أو على ما يتعارف مع النقص و على التقادير اما ان يكون حصول النقص بفعل البائع بقصد الغش أولا و على التقادير اما يظهر البائع عدم النقص قولا أو فعلا أو يظهر النقص أولا يظهر شيئا منهما فإن أظهر عدم النقص ارتكب المحرم مطلقا لكونه كذبا (مطلقا) و غشا أيضا في صورة عدم تفطن المشترى و ان أظهر النقص لم يرتكب محرما أصلا بالإجماع و المستفيضة و ان لم يظهر شيئا منهما فلا حرام مع تفطن المشترى بل مع عدم العلم بعدم تفطنه و ان علم عدم تفطنه فالظاهر الحرمة (أيضا) لكونه خلاف النصح الواجب بالأخبار المستفيضة إلا إذا باعه بسعر الرّدى و لم يتضرر به المشترى انتهى و هو جيد
قوله ثم ان جامع المقاصد ذكر في الغش بما يخفى بعد تمثيله له بمزج اللبن بالماء وجهين في صحة المعاملة و فسادها
هذا الكلام إشارة إلى البحث عن ان الغش بما يخفى يوجب فساد البيع أم لا و تفصيله انه لا خلاف في انه إذا كان الغش بإظهار الشيء على خلاف جنسه كبيع الصفر المموه على انه ذهب أو فضة أو بيع الأسرب على انه فضة كان البيع باطلا و بالجملة البيع المشتمل على الغش الذي يوجب تبدل الحقيقة باطل بلا خلاف لكنه قد وقع الخلاف في غير فحكم في (المسالك) بصحة البيع فليس هناك الا مجرد تحريم الفعل من دون فساد البيع قال (رحمه الله) ثم على تقدير الخفاء فالبيع صحيح و حكمه حكم ما لو ظهر في المبيع عيب من غير الجنس انتهى و استظهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) الحكم بفساده قال (رحمه الله) و على تقدير البيع يصحّ الظاهر لا لان الغرض من النهي في مثله عدم صلاحية بيع مثله على انه غير مغشوش و لما مر انتهى و لعله أشار بقوله ما مر الى ما ذكره في أوّل المسئلة من انه إذا كان خفيا كان مما لا يعلمه المشترى نظرا الى ان ذلك يلزمه ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن المحقق الثاني (رحمه الله)