الإمام المهدي عليه السلام في القرآن و السنة - سعيد ابو معاش - الصفحة ٣٦ - وجوب عصمة الإمام
ذلك خليفة قط، و أمّا نحن فقد شاهدنا خلفاء كثيرين غير واحد قد نطق به القرآن و تواترت به الأخبار حتّى صارت كالمشاهدة، و الملائكة لم يشهدوا واحدا منهم، فكانت تلك الغيبة أبلغ.
و آخر: أنّها كانت غيبة من اللّه عزّ و جلّ، و هذه الغيبة الّتي للإمام عليه السّلام هي من قبل أعداء اللّه تعالى، فإذا كان في الغيبة الّتي هي من اللّه عزّ و جلّ عبادة لملائكته، فما الظنّ بالغيبة الّتي هي من أعداء اللّه.
و في غيبة الإمام عبادة مخلصة لم تكن في تلك الغيبة، و ذلك أنّ الإمام الغائب عليه السّلام مقموع مقهور مزاحم في حقه، قد غلب قهرا و جرى على شيعته قسرا من أعداء اللّه ما جرى، من سفك الدماء و نهب الأموال و إبطال الأحكام و الجور على الأيتام و تبديل الصدقات و غير ذلك ممّا لا خفاء به، و من اعتقد موالاته، شاركه في أجره و جهاده، و تبرّأ من أعدائه، و كان له في براءة مواليه من أعدائه أجر، و في ولاية أوليائه أجر يربو على أجر ملائكة اللّه عزّ و جلّ على الإيمان بالإمام المغيّب في العدم، و إنّما قصّ اللّه عزّ و جلّ نبأه قبل وجوده توقيرا و تعظيما له، ليستعبد له الملائكة و يتشمّروا لطاعته.
و إنّما مثال ذلك تقديم الملك فيما بيننا بكتاب أو رسول إلى أوليائه أنّه قادم عليهم، حتّى يتهيّؤا الاستقباله و ارتياد الهدايا له ما يقطع به و معه عذرهم في تقصير إن قصّروا في خدمته، كذلك بدأ اللّه عزّ و جلّ بذكر نبئه إبانة عن جلالته و رتبته، و كذلك قضيّته في السلف و الخلف، فما قبض خليفة إلاّ عرّف خلقه الخليفة الّذي يتلوه، و تصديق ذلك قوله عزّ و جلّ: أَ فَمَنْ كََانَ عَلىََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ -الآية [١] و الّذي على بيّنة من ربّه محمّد صلّى اللّه عليه و اله، و الشاهد الّذي يتلوه عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السّلام، دلالته قوله عزّ و جلّ: وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتََابُ مُوسىََ إِمََاماً وَ رَحْمَةً [٢] و الكلمة-من كتاب موسى المحاذية لهذا المعنى حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة-قوله: وَ وََاعَدْنََا مُوسىََ ثَلاََثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنََاهََا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقََاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قََالَ مُوسىََ لِأَخِيهِ هََارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاََ تَتَّبِعْ سَبِيلَ
[١] -هود: ١٧.
[٢] -هود: ١٧.