الإمام المهدي عليه السلام في القرآن و السنة - سعيد ابو معاش - الصفحة ٣٥ - وجوب عصمة الإمام
و أضمره حتّى صار به منافقا، و ذلك أنّه أضمر أنّه يخالفه متى استعبد بالطاعة له، فكان نفاقه أنكر النفاق، لأنّه نفاق بظهر الغيب، و لهذا من الشأن صار أخزى المنافقين كلهم، و لما عرّف اللّه عزّ و جلّ ملائكته ذلك أضمروا الطاعة له و اشتاقوا إليه، فأضمروا نقيض ما أضمره الشيطان، فصار لهم من الرتبة عشرة أضعاف ما استحقّ عدوّ اللّه من الخزي و الخسار، فالطاعة و الموالاة بظهر الغيب أبلغ في الثواب و المدح، لأنّه أبعد من الشبهة و المغالطة، و لهذا روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء: و لك مثلاه» .
و انّ اللّه تبارك و تعالى أكّد دينه بالإيمان بالغيب فقال: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [١] فالايمان بالغيب أعظم مثوبة لصاحبه، لأنه خلو من كل عيب و ريب، لأنّ بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد يتوهّم على المبايع أنّه إنّما يطيع رغبة في خير أو مال، أو رهبة من قتل أو غير ذلك ممّا هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم، و إيمان الغيب مأمون من ذلك كلّه، و محروس من معايبه بأصله، يدلّ على ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: فَلَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا قََالُوا آمَنََّا بِاللََّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنََا بِمََا كُنََّا بِهِ مُشْرِكِينَ*فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا [٢] و لمّا حصل للمتعبد ما حصل من الإيمان بالغيب، لم يحرم اللّه عزّ و جلّ ذلك ملائكته، فقد جاء في الخبر أنّ اللّه سبحانه قال هذه المقالة للملائكة قبل خلق آدم بسبعمائة عام. و كان يحصل في هذه المدّة الطاعة للملائكة على قدرها. و لو انكر منكر هذا الخبر و الوقت و الأعوام، لم يجد بدّا من القول بالغيبة و لو ساعة واحدة، و الساعة الواحدة لا تتعرّى من حكمة ما، و ما حصل من الحكمة في الساعة حصل في الساعتين حكمتان و في الساعات حكم، و ما زاد في الوقت إلاّ زاد في المثوبة، و ما زاد في المثوبة إلاّ كشف عن الرحمة، و دل على الجلالة، فصحّ الخبر أنّ فيه تأييد الحكمة و تبليغ الحجّة.
و في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ قََالَ رَبُّكَ لِلْمَلاََئِكَةِ إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً حجّة في غيبة الإمام عليه السّلام من أوجه كثيرة:
أحدها أنّ الغيبة قبل الوجود أبلغ الغيبات كلّها، و ذلك أنّ الملائكة ما شاهدوا قبل
[١] -البقرة: ٢.
[٢] -المؤمن: ٨٥.