استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٤٠ - حديث مجادلة الإمام مع النبي في صلاة الليل
جدّه في عبادته مشمّراً ، وأن يجعل وقته على اكتساب طاعات ربّه متوفّراً ، فإنّه لا يقصر في العبادة إلاّ من فقد اليقين ولم يكن من المتّقين ، وقد كان عليّ منطوياً على يقين لا غاية لمداه ولا نهاية لمنتهاه ، وقد صرّح بذلك تصريحاً مبيّناً فقال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ، فكانت عبادته إلى الغاية القصوى تبعاً ليقينه ، وطاعته في الذروة العليا لمتانة دينه » .
وقال أيضاً بعد ذكر طائفة من الروايات والأخبار :
« فهذه الوقائع والقضايا المفصّلة - التي أسفر له فجر نهارها وأبدر لديه قمر شعارها وظهر عليه سرّ آثارها وانتشر عنه خبر أسارها - شاهدة له أنّه في العبادة ابن جلاها وفارع ذروة علاها وضارب في أعشارها بمعلاها ، وراكب من مطيّتها غارب مطاها ، قد صدعت منطوقها ومفهومها ، بأنّه قد حوى مقامات العابدين حتّى حلّ مقام الإمامة ، واتّصف بسمات الزاهدين ، فبيده زمام الزعامة ، فتحلّى بالأمانة والعبادة والمحبّة والزهد والورع والمعرفة والتوكّل والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا والخشية ، فهو ذو إخبات وتفكّر ونسك وتدبّر وتهجّد وتذكّر وتأوّه وتحسّر وأذكار وأوراد وإصدار وإيراد ، فكابد من أنواع العبادات ووظائف الطّاعات ما لا يكاد الأقوياء ينهضون بحمل أعبائه ، إلى أن نزل القرآن الكريم بمدحته ، وأسفر بالثناء عليه من التنزيل وجه صحّته ، حتّى نقل الواحدي رضي الله عنه في تفسيره ، يرفعه بسنده إلى ابن عبّاس رضي الله عنه قال : إنّ عليّ ابن أبي طالب تملّك أربعة دراهم ، فتصدّق بدرهم ليلاً ، وبدرهم نهاراً ، وبدرهم سرّاً وبدرهم علانية ، فنزلت فيه قوله تعالى : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ومن تأمّل ما قصصناه من