استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٢٧٤ - الزّهري
وكثرة المخالفة لهواه ولوددت أن أنجو من الدخول كفافاً ، مع أنّي لا آخذ منه شيئاً ولا أشرب لهم شربة ماء .
قال : وزماننا هذا شرّ من علماء بني إسرائيل ، يخبرون السلطان بالرخص وبما يوافق هواه ، ولو أخبروه بالذي عليه وفيه نجاته لاستثقلهم ، فكره دخولهم عليه وكان ذلك نجاة لهم عند ربّهم .
وقال الحسن : كان فيمن كان قبلكم رجل له قدم في الاسلام وصحبة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم - قال عبد الله بن المبارك : عنى به سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - وكان يغشى السلاطين فقعد عنهم ، فقال له بنوه : يأتي هؤلاء من ليس هو مثلك في الصحبة والقدم في الإسلام ، فلو أتيتهم . فقال : بني ! إنّ الدنيا جيفة وقد أحاط بها قوم ، والله لئن استطعت لا اُشاركهم فيها . قالوا : يا أبانا ! إذاً تهلك هزلاً . قال : يا بني ! لأن أموت مؤمناً مهزولاً أحبّ إليّ من أن أموت منافقاً سميناً .
قال الحسن رحمه الله تعالى : خصمهم والله ، إذ علم أنّ التراب يأكل اللّحم والسمن دون الإيمان ، وفي هذا إشارة إلى أنّ الدخول على السلطان لا يسلم فيه أحد من النفاق البتّة ، وهو مضاد للإيمان .
وقال أبو ذر لسلمة : يا سلمة ! لا تغش أبواب السلاطين ، فإنّك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينك أفضل منه .
وهذه فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان عليهم ، لاسيّما من له لهجة مقبولة وكلام حلو ، إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أنّ في وعظك لهم ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعائر الشرع ، إلى أن يخيّل إليه أنّ الدخول عليهم من الدين ، ثمّ إذا دخل لم يلبث أن يتلطّف في الكلام