استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٧٦ - نقد دفاع القوم عن البخاري
وكيف يظنّ بالبخاري أنّه يذهب إلى شيء من أقوال المعتزلة ، وقد صحّ عنه فيما رواه الفربري وغيره أنّه قال : إنّي لأستجهل من لا يكفر الجهميّة ، ولا يرتاب المنصف في أنّ محمّد بن يحيى الذهلي لحقته الحسد التي لم يسلم منها إلاّ أهل العصمة وقد سأل بعضهم البخاري عمّا بينه وبين محمّد بن يحيى فقال البخاري : كم يعتري محمّد بن يحيى الحسد في العلم ، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء ، ولقد أطرف البخاري وأبان عن عظيم ذكائه حيث قال - وقد قال له أبو عمرو الخفّاف أنّ الناس خاضوا في قولك ، لفظي بالقرآن مخلوق - يا أبا عمرو ، إحفظ ما أقول لك ، من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمدان وبغداد والكوفة والبصرة ومكّة والمدينة : أنّي قلت لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو كذّاب ، فإنّي لم أقله ، إلاّ أنّي قلت : أفعال العباد مخلوقة .
قلت : تأمّل كلامه ما أذكاه ومعناه - والعلم عند الله - إنّي لم أقل لفظي بالقرآن مخلوق ، لأنّ الكلام في هذا خوض في مسائل الكلام وصفات الله التي لا ينبغي الخوض فيها إلاّ للضرورة ، ولكنّي قلت أفعال العباد مخلوقة ، وهو قاعدة مغنية عن تخصيص هذه المسألة بالذكر ، فإنّ كلّ عاقل يعلم أنّ لفظنا من جملة أفعالنا ، وأفعالنا مخلوقة ، فألفاظنا مخلوقة .
ولقد أفصح بهذا المعنى في رواية اُخرى صحيحة عنه ، رواها حاتم بن أحمد الكيدري فقال : سمعت مسلم بن الحجّاج ، فذكر الحكاية وفيها : أنّ رجلاً قام إلى البخاري فسأله عن اللّفظ بالقرآن فقال : أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا ، وفي الحكاية : أنّه وقع بين القوم إذ ذاك اختلاف على البخاري ، فقال بعضهم : قال لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال آخرون : لم يقل .
قلت : فلم يكن الإنكار إلاّ على من تكلّم في القرآن ، فالحاصل ما قدّمناه