استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٥٣ - محاولة التأويل
ووجه آخر ، وهو : إنّه إنّما ساغ لعائشة ذلك لأنّها اُم المؤمنين ، لاسيّما بالنسبة إلى ابن الزبير لأنّها خالته ، وذلك الكلام الذي قال في حقّها كان كالعقوق لها ، فهجرتها منه كانت تأديباً له ، وهذا من باب إباحة الهجران لمن عصى » [١] .
لكنْ لا يخفى وهن التوجيه الأوّل وسخافته ، وتفوّه هذا العالم النحرير به عجيب ، ولكن العصبيّة والمراء عضال داء ليس له دواء ، وذلك لأنّ الهجران ترك الملاقاة ، وقد خصّه ابن بطال بترك السلام عند الملاقاة ، وهذا تأويل عليل وليس عليه دليل ، وكلمة « يلتقيان فيعرض » لا دلالة فيها عليه ، لأنّها تفريع على الهجران وليست نفس الهجران ، لأنّ اللفظ في ( البخاري ) هكذا : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام » [٢] .
فالصحيح هو الوجه الثاني فقط .
بل إنّ ألفاظ الخبر عند البخاري شاهدة على بطلان التأويل الأوّل ، فقد جاء فيه في قضيّة شفاعة المسور وعبد الرحمن لابن الزبير عند عائشة : « وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلاّ ما كلمته وقبلت منه ، ويقولان : إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عمّا قد علمت من الهجرة فإنّه لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، فلمّا أكثرا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول : إنّي نذرت والنذر شديد ، فلم يزالا بها حتّى
[١] الكواكب الدراري في شرح البخاري ٢١ : ٢٠٨ ، شرح صحيح البخاري لابن بطّال ٩ : ٢٧٠ ( بنحوه ) .
[٢] صحيح البخاري ٨ : ٢٦ ( كتاب الأدب باب الهجرة ) .