استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٥١ - بين عائشة وابن الزبير
الزبير قد ارتكب أمراً عظيماً حيث قال : أما والله لتنتهيّن عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرنّ عليها ، وكانت لا تمسك شيئاً ممّا جاءها من رزق بل تتصدّق به ، فرأت أنّ قوله ذلك جرأة عليها وتنقيصاً لقدرها ، بنسبتها إلى ارتكاب التبذير الموجب لمنعها من التصرّف ، مع كونها اُم المؤمنين وخالته اُخت اُمّه ، ولم يكن أحد عندها في منزلته ، فرأت ذلك منه نوع عقوق ، فجعلت مجازاته ترك مكالمته » [١] .
ومن الغرائب : احتجاج بعض فقهاء القوم بهذه الزلّة الكبيرة الصّادرة من ابن الزبير ، ولذا بادر ابن حزم إلى التشنيع عليه ، فقال في ( المحلّى ) :
« وأمّا الرواية عن ابن الزبير فطامّة الأبد ، لا ندري كيف استحلّ مسلم أن يحتجّ بخطيئة ووهلة وزلّة كانت من ابن الزبير ، والله تعالى يغفر له إذ أراد مثله مع كونه من أصاغر الصحابة أنْ يحجر على مثل اُم المؤمنين التي أثنى الله تعالى عليها أعظم الثناء في نصّ القرآن ، وهو لا يكاد يتجزى منها في الفضل عند الله تعالى ، وهذا خبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عوف بن الحارث ابن أخي عائشة اُم المؤمنين لاُمّها : إنّ عائشة اُم المؤمنين حدّثت أنّ عبد الله ابن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته : لتنتهين عائشة أو لأحجرنّ عليها . فقالت عائشة : أو قال هذا ؟ قالوا : نعم ، فقالت عائشة : هو لله عليَّ نذر أنْ لا اُكلّم ابن الزبير كلمةً أبداً . ثمّ ذكر الحديث بطوله وتشفّعه إليها وبكاؤه لعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث والمسور بن مخرمة الزهريين ، حتّى كلّمته ، وأعتقت في نذرها أنْ لا تكلّمه أربعين رقبة .
قال أبو محمّد : قد بلغت به عائشة رضي الله عنها [ من ] الإنكار حيث
[١] جواهر العقدين : ٢١٥ - ٢١٦ .