استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٧٦ - من مشاهد انحراف أبي موسى عن علي
بالذي يعمله الدنيا ومنافعها والرياسة فيها ، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام والدخول في طاعتهم والإجابة لدعوتهم ، إشفاقاً من زوال الرياسة عنه ، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤماً ، لأنّه في قبضة الله تعالى فيؤتيه الله في الدنيا منها قدراً لا كما يشاء ذلك الإنسان ، بل كما يشاء الله ، إلاّ أنّ عاقبته جهنّم يدخله فيها فيصلاها مذموماً ملوماً مدحوراً منفيّاً مطروداً من رحمة الله تعالى .
وفي لفظ هذه الآية فوائد :
الفائدة الاُولى : إنّ العقاب عبارة عن مضرّة مقرونة بالإهانة والذمّ ، بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة . فقوله : ( ثمّ جعلنا له جهنّم يصلاها ) إشارة إلى المضرّة العظيمة ، وقوله : ( مذموماً ) إشارة إلى الإهانة والذم ، وقوله : ( مدحوراً ) إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله وهي تفيد كون تلك المضرّة خالية ، عن شوب النفع والرحمة ، وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدّل بالراحة والخلاص » [١] .
وقال أبو البركات النسفي بتفسيرها :
« ( من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء ) لا ما يشاء ( لمن نريد ) بدل من له بإعادة الجار وهو بدلّ البعض من الكلّ ، إذ الضمير يرجع إلى من ، أي من كانت العاجلة همّه ولم يرد غيرها كالكفرة ، تفضّلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد ، فقيّد المعجّل بمشيّته والمعجّل له بإرادته ، وهكذا الحال ، ترى كثيراً من هؤلاء يتمنّون ما يتمنّون ولا يعطون إلاّ بعضاً منه ، وكثيراً منهم يتمنّون ذلك البعض وقد حرموه ، فاجتمع عليهم فقر الدّنيا وفقر الآخرة ، وأمّا
[١] تفسير الرازي ٢٠ : ١٧٨ .