استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٤٧ - حديث مجادلة الإمام مع النبي في صلاة الليل
يدّعي أنّه من الخاصّة العارفين أهل التوحيد الذين فنوا في توحيد الربوبيّة - يقولون : إنّ العارف إذا فنى في شهود توحيد الربوبيّة لم يستحسن حسنه ولم يستقبح قبحه ، وهذا الضرب كثير في متأخّري الشيوخ النسّاك والصوفيّة والفقراء بل في الفقهاء والاُمراء والعامّة ، ولا ريب أنّ هؤلاء شرّ من الشيعة والمعتزلة الذين يقرّون بالأمر والنهي وينكرون القدر .
وبمثل هؤلاء طال لسان المعتزلة والشيعة في المنتسبين إلى السنّة ، فإنّ من أقرّ بالأمر والنهي والوعد والوعيد وفعل الواجبات وترك المحرّمات ولم يقل أنّ الله خلق أفعال العباد ولا يقدر على ذلك ولا شاء المعاصي ، هو قد قصد تعظيم الأمر وتنزيه الله تعالى عن الظلم وإقامة حجّة الله على نفسه ، لكن ضاق عَطْنه فلم يخيّل الجمع بين قدرة الله التامّة وبين المشيّة العامّة وخلقه الشامل بين عدله وحكمته وأمره ونهيه ووعده ووعيده فجعل لله الحمد ولم يجعل له تمام الملك ، والذين أثبتوا قدرته ومشيّته وخلقه وعارضوا بذلك أمره ونهيه ووعده ووعيده شرّ من اليهود والنصارى كما قال هذا المصنّف ، فإنّ قولهم يقتضي إفحام الرسل ، ونحن إنّما نرد من أقوال هذا وغيره ما كان باطلاً ، وأمّا الحقّ فعلينا أن نقبله من كلّ قائل ، وليس لأحد أن يرد بدعة ببدعة ولا يقابل باطلاً بباطل ، والمنكرون للقدر وإن كانوا في بدعة ، فالمحتجّون به على الأمر أعظم بدعة ، وإن كان أولئك يشبهون المجوس فهؤلاء يشبهون المشركين المكذّبين للرسل الذين قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباءنا ولا حرّمنا من شيء ) وقد كان في أواخر عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم جماعة من هؤلاء القدريّة ، وأمّا المحتجّون بالقدر على الأمر فلا يعرف لهم