استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٣٠ - التزام بعضهم بمفاده الباطل
كيف يحتمل أنّ النبي - مع ما عليه من الصيانة والأمانة والأخلاق الكريمة والأوصاف الحميدة - يأبى عن أمر ثمّ يدعو غيره إليه بلا ضرورة ، فيواجه بالإباء ويجاب بما يقتضي الطعن والملامة ؟ كلاّ وحاشا ، لا يجوّز ذلك ذو دين وعقل . . .
التزام بعضهم بمفاده الباطل إلاّ أنّ أكثر المحقّقين منهم لم يسلكوا سبيل الخيانة والتحريف ، كما صنع ابن روزبهان وصاحب سبل الهدى ، بل استحوذ عليهم حبّ البخاري ، فصدّقوا بأكاذيبه وافتراءاته وسلّموا لغرائب مجعولاته وهفواته ، فترى الدّاودي يذهب إلى أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يأكل من ذبائح المشركين ، لكونه جاهلاً بحرمة الأكل منها ، أمّا زيد فقد علم بذلك فلم يأكل ! ! ، قال ابن حجر :
« قال الداودي : كان النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعث يجانب المشركين في عباداتهم ، ولكنْ لم يكن يعلم ما يتعلَّق بأمر الذبائح ، وكان زيد قد علم ذلك من أهل الكتاب الذين لقيهم » [١] .
فكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم - والعياذ بالله - يأكل من ذبائح أهل الكتاب عن جهل بحكمها ، وقد علم بذلك أهل الكتاب ، وتعلّمه منهم زيد ابن عمرو ، ولم يأكل . . . فانظر كيف يطعن في رسول الله ويحطّ عليه ؟ وكيف يجوّز المؤمن الديّن في حقّ الرسول الأمين المؤيّد بالتأييد الإلهي والمسدّد بالمدد الربّاني أن يجهل حكماً من الأحكام الشرعيّة ، ويرتكب شيئاً
[١] فتح الباري - شرح صحيح البخاري ٧ : ١١٣ .