استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٣٢ - تكلّفات الآخرين في حلّ العقدة
الله تعالى في دين من كان قبلنا ، ولم يقدح في ذلك التحليل المتقدّم ما ابتدعوه ، حتّى جاء الإسلام وأنزل الله سبحانه ( ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه ) ، ألا ترى كيف بقيت ذبائح أهل الكتاب على أصل التحليل بالشرع المتقدم ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصلبان ، فكذلك كان ما ذبحه أهل الأوثان محلّلاً بالشرع المتقدّم حتّى خصّه القرآن بالتحريم » [١] .
أقول :
وهذا الكلام في غاية السخافة والركّة ، فإنّ مناط الإشكال ليس على مجرّد أكل ذبيحة الأصنام ، بل إنّ تجويز أكلها ودعوة الغير إلى ذلك قبيح جدّاً ، فحصر الإشكال في الأكل دليلٌ على عدم التدبّر وقلّة التأمّل ، وكيف يصدّق العاقل الديّن أنْ لا يتنزّه رسول الله عمّا تنزّه منه زيد ، وهو المعصوم بالعصمة الإلهيّة - بالإجماع القطعي - وأعقل الناس طُرّاً بلا خلاف :
قال القاضي عياض : « وأمّا وفور عقله وذكاء لبّه وقوّة حواسّه وفصاحة لسانه واعتدال حركاته وحسن شمائله ، فلا مرية أنّه كان أعقل الناس وأذكاهم ، ومن تأمّل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم وسياسة العامّة والخاصّة مع عجيب شمائله وبديع سيره - فضلاً عمّا أفاضه من العلم وقدّره الشرع دون تعلّم سَبَقَ ولا ممارسة تقدّمت ولا مطالعة للكتب منه - لم يَمْتَرِ في رجحان عقله وثقوب فهمه لأوّل بديهة ، وهذا ما لا يحتاج إلى تقرير لتحقّقه .
وقد قال وهب بن مُنَبِّه : قرأت في أحد وسبعين كتاباً ، فوجدت في
[١] الروض الأنف ٢ : ٣٦٠ - ٣٦٣ .