استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٤٥ - حديث مجادلة الإمام مع النبي في صلاة الليل
« ثمّ نعلم إنّ هذه الحجّة باطلة بصريح العقل عند كلّ أحد مع الإيمان بالقدر وبطلان هذه الحجّة لا يقتضي التكذيب بالقدر ، وذلك أنّ بني آدم مفطرون على احتياجهم إلى جلب المنفعة ودفع المضرّة ، ولا يعيشون ولا يصلح لهم دنيا ولا دين إلاّ بذلك ، فلابدّ أن يأتمروا بما فيه تحصيل منافعهم ودفع مضارّهم ، سواء بعث إليهم رسول أو لم يبعث ، لكن علمهم بالمنافع والمضار بحسب عقولهم وقصودهم ، والرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فأتباع الرسل أكمل الناس في ذلك ، والمكذّبون للرسل انعكس الأمر في حقّهم ، فصاروا يتّبعون المفاسد ويعطّلون المصالح ، فهم شرّ الناس ، ولابدّ لهم مع ذلك من اُمور يجتلبونها واُمور يجتنبونها ، وأن يدافعوا جميعاً ما يضرّهم من الظلم والفواحش ونحو ذلك .
فلو ظلم بعضهم بعضاً في دمه وماله وحرمته ، فطلب المظلوم الإقتصاص والعقوبة ، لم يقبل أحد من ذوي العقول احتجاج بالقدر ، ولو قال اعذروني فإنّ هذا كان مقدّراً عليّ ، لقالوا وأنت لو فعل بك ذلك فاحتجّ عليك ظالمك بالقدر لم تقبل منه ، وقبول هذه الحجّة توجب الفساد الذي لا صلاح معه ، وإن كان الإحتجاج بالقدر مردوداً في فطر جميع الناس وعقولهم مع أنّ جماهير الناس مُقرّون بالقدر ، فعلم أنّ الإقرار بالقدر لا ينافي دفع الإحتجاج به ، بل لابدّ من الإيمان به ولابدّ من ردّ الإحتجاج به .
ولمّا كان الجدل ينقسم إلى حقّ وباطل ، وكان من لغة العرب أنّ الجنس إذا انقسم إلى نوعين أحدهما أشرف من الآخر ، خصّوا الأشرف باسم الخاص وعبّروا عن الآخر باسم العام ، كما في لفظ الجائز العام والخاص والمباح العام