استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٣٨ - حديث مجادلة الإمام مع النبي في صلاة الليل
مع ما كان عليه من كثرة إطاعته له في كلّ شيء ؟
وهل يصدَّق استدلاله أمام النبيّ كاستدلال أهل الجبر ؟
إنْ هذا إلاّ من وضع النواصب المبغضين للنبي والوصي ، ولا يصدِّق به إلاّ من كان على شاكلتهم ! !
إنّك لن تجد أحداً من آحاد المؤمنين يُؤمر بالصلاة فيأبى بهذه الشدّة ويقول : « والله لا نصلّي إلاّ ما كتب الله لنا » لاسيّما والآمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لأنّ مثل هذا الكلام معه - وفي قبال دعوته إلى الصلاة والعبادة - استخفاف به وبأمره ، وهذا ما لا يصدر من أحد من سائر المؤمنين ، فكيف بمولانا علي عليه السلام ، الممتثل لأوامر رسول الله ، والتابع له في كلّ شيء ، والذي كان أعبد الناس بعده ؟ يقول ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي عن عبادته عليه السلام :
« وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاةً وصوماً ، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة ، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أنْ يُبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير فيصلّي عليه ورده والسهام تقع بين يديه ، وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته ، وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده !
وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزّته والإستحذاء له ، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أيّ قلب خرجت ، وعلى أيّ لسان جرت .