إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٧٨ - النمط الخامس فى الصنع و الابداع
و اما انه لم يتكلم فى المحتاج اليه فلان محل النزاع هاهنا امران:
احدهما: ان علة الحاجة هى الحدوث او الا مكان؟
و الثاني: ان الدائم هل يصح ان يكون مفتقرا الى المؤثر ام لا؟ فان الحكماء ذهبوا الى ان العالم ازلى و ازليته لا ينافى افتقاره الى البارى تعالى، و الجمهور قالوا: لو كان ازليا لاستغنى عن الفاعل لاستحالة احتياج الازلى الى الفاعل. فاذا اختلفوا فى الازلى فالدائم الذي هو ازلى و ابدى أولى بالخلاف.
ثم انه لم يذكر فى هذا الفصل ما يثبت الامرين؛ بل صادر على المطلوب. لان قوله «مفهوم كونه غير واجب الوجود بذاته بل بغيره لا يمنع ان يكون على أحد قسمين: احدهما واجب الوجود بغيره دائما، و الثاني واجب الوجود بغيره وقتا ما» ليس معناه الا ان الدائم يمكن أن يكون واجبا بغيره متعلقا به. و هو اول المسألة. و أيضا قوله «لو فرضنا أن المسبوق بالعدم واجب بذاته لم يفتقر الى الغير» هو ايضا محل النزاع لان الذين يزعمون ان علة الحاجة الحدوث ذهبوا الى انه متى تحقق الحدوث وجب الحاجة الى المؤثر سواء كان هناك الامكان اولا، و اذا لم يتحقق الحدوث لا تقع الحاجة و ان حصل الامكان و ان ادعى ان احتياج الممكن الى المؤثر ضرورى سواء كان دائما أو لم يكن فما هذا الاطناب؛ بل جميع ما ذكره من اول النمط الى آخر هذا الفصل يكون حشوا. و ان كان تلك القضية برهانية فما ذكر فى البيان ليس الا اعادة الدعوى.
و اقول: لما حكى الشيخ مذهب الجمهور: من ان تعلق المفعول بالفاعل من جهة الحدوث حتى انه اذا خرج من العدم الى الوجود لم يبق له تعلق به. حاول ان يبين خطأهم. و لا شك انه لو قال: المفعول ليس بواجب لذاته فى شيء من اوقات وجوده فلا يكون وجوده من ذاته فى شيء من الاوقات فيكون وجوده من الغير فى جميع اوقات وجوده فيكون متعلقا بالفاعل دائما كفى فى بيان خطأهم؛ لكنه سلك طريقا آخر. و ليس تعيين الطريق بلازم. على ان فيه فائدتين:
تحقيق علية الامكان، و ابطال علية الحدوث. فوضع المفعول بازاء المحدث و ان اعتبره اصحابه اعم منه. لان نظر الجمهور مقصور عليه اذ لم يثبتوا من الممكنات شيئا غير المحدث، و فتش عنه ان المتعلق بالفاعل اى شيء هو، ثم ان تعلقه على اى جهة؟
فبين فى المقام الأول: ان المتعلق وجود المفعول. و القوم و ان كانوا موافقين معه فى ذلك الا ان الاتفاق ليس بحجة فى الحكمة، و على الحكيم البيان بالبرهان سواء كان متفقا عليه اولا.