إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣٠٠ - النمط السابع فى التجريد
قوله «اشار إلى احاطته بجميع الموجودات» المطلوب أن اللَّه تعالى عالم بجميع الموجودات و ذلك لانه عالم بذاته و ذاته علة لجميع الموجودات و العلم بالعلة يقتضى العلم بالمعلول لان العلم التام بالعلة هو العلم بها من جميع الوجوه. و من تلك الوجوه كونها مستلزمة للوازم. و ذلك يتضمن العلم باللوازم فيكون اللَّه تعالى عالما بجميع الأشياء لانها معلولة لازمة له اما طولا كالمعلولات المترتبة المنتهية اليها، و اما عرضا كسلسلة الحوادث. فانها لا ينتهى اليه فى الطول اذ قبل كل حادث حادث لا الى اول؛ بل فى العرض فان كل واحد من الحوادث لامكانه مستند اليه بالوسايط.
و اعلم أن استدلال القوم على هذا المطلوب هو ان اللَّه تعالى عالم بذاته، و ذاته علة لجميع الأشياء، و العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيكون اللَّه تعالى عالما بجميع الأشياء.
فورد عليه انه ان اريد أن العلم بالعلة من حيث ذاتها المخصوصة يوجب العلم بالمعلول فهو ممنوع و لا دلالة عليه، و ان اريد العلم بالعلة من حيث انه علة للمعلول موجب للعلم به فهو باطل لان العلم بكونه علة للمعلول موقوف على العلم بالمعلول. فامتنع ان يكون موجبا له و علة.
ففسر الشارح العلم بالعلة بالعلم التام، و غير عبارة الايجاب الى الاقتضاء تعاديا من ورود الاشكال؛ لكن لو لم يمنع كون اللَّه تعالى عالما بذاته من جميع الوجوه فلا مانع من ايراد المنع من غيره مع أن تلك القاعدة مستعلمة عند القوم فى ساير الموارد فلا يتم كلامهم فيها اصلا.
فالصواب: أن كلامهم هو أن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول لان العلم التام بالعلة موجب، و العلم بهذه المقدمة ضرورى. و لا يشك عاقل فى أن من علم جميع علل وجود شىء علم وجوده، و من علم جميع علل عدم شىء علم عدمه. و لما كان ذاته تعالى علة تامة للمعلول الأول لزم من العلم بها العلم به، ثم انه اوقع اللَّه تعالى علة تامة لغيره فيلزم علمه تعالى به أيضا. و هكذا لما كان اللَّه تعالى عالما بالعلل التامة لجميع الممكنات كان عالما بها قطعا. و سيجىء لهذا زيادة تقرير و توضيح. م