إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ١٥٥ - النمط السادس فى الغايات و مباديها و فى الترتيب
فنقول: قد تبين أن الحركة الدورية السماوية إرادية لان حركة الجسم البسيط اما قسرية او طبيعية او ارادية اذ مبدءها اما خارج المتحرك فهى قسرية، أو لا و حينئذ اما أن يكون مع شعور و ارادة فتكون ارادية، أو لا فتكون طبيعية و لا يجوز أن يكون حركة الفلك قسرية و لا طبيعية. فتعين أن تكون ارادية: أما أنها ليست طبيعية فلان كل حد من حدود المسافة يتركه بالحركة المستديرة يكون تركه هو التوجه اليه فلو كانت طبيعية يلزم أن يميل بالطبع بحركة واحدة الى ما يميل عنه بالطبع؛ و يكون طالبا بحركته وضعا ما بالطبع فى موضعه، و تاركا له هاربا عنه بالطبع. و من المحال أن يكون المطلوب بالطبع متروكا بالطبع و المتروك بالطبع مطلوبا بالطبع. و أما أنها ليست قسرية فلان القسر على خلاف الطبع فلما لم يتصور الحركة الطبيعية لم يكن الحركة القسرية. و قد تقرر أن الجسم اذا لم يكن فيه مبدء ميل طبيعى لم يقبل الحركة القسرية.
و هاهنا سؤالات:
أحدها: أن ما ذكر فى الحركة القسرية يقتضى أن لا يكون حركة الفلك ارادية لان ترك كل وضع لما كان عين التوجه الى ذلك الوضع فلو كانت الحركة ارادية كان ذلك الوضع مرادا و غير مراد فى حالة واحدة. و انه محال.
و اجيب عنه: بجواز كون الشىء الواحد مرادا و غير مراد من جهتين. فان مبدء الحركة إذا كان له شعور جاز أن يختلف اعراضه بخلاف ما اذا كان عديم الشعور اذ لا يتصور اختلاف الجهات و الاعراض.
الثاني: انا لا نسلم أن ترك حد أو وضع هو التوجه الى ذلك الحد أو الوضع بل يترك حصولا فى حد او وضع، و يتوجه الى مثل ذلك الحصول فى ذلك الحد أو مثل ذلك الوضع. ضرورة انعدام ذلك الحصول و ذلك الوضع بتركه، و امتناع اعادة المعدوم. فالاولى أن يقال: ان طلب وضع معين بالطبع و تركه بالطبع مما لا يتصور بخلاف الارادة على ما تقرر فيما سبق.
الثالث: هب أن ترك كل وضع عين التوجه الى ذلك الوضع؛ لكن لا نسلم انه يلزم منه أن يكون المطلوب بالطبع متروكا بالطبع. و انما يكون كذلك لو كان المطلوب هو الوضع و هو ممنوع لجواز أن يكون المطلوب نفس الحركة أو شيئا آخر.