إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٨٩ - النمط الخامس فى الصنع و الابداع
كذلك لاجتماعهما فى العقل حتى عرض لاحدهما القبلية، و للاخر البعدية. أو فى الخارج فلا بد من وجود المعروض فى الخارج. و هذا منقوض بالعدم و الوجود فانهما لا يجتمعان لا فى الذهن؛ بل فى الخارج، و لا يلزم منه ثبوت العدم فى الخارج فان السلب لا يستدعى وجود الموضوع.
و اعلم ان القبلية و البعدية لا يلحقان إلا اجزاء الزمان حتى يكون جزء منه موصوفا بالقبلية و الاخر بالبعدية. فمعروضاهما أجزاء الزمان و هى غير موجودة فى الخارج لان الزمان متصل واحد و لانه لو وجدت لتتالى الآنات فحينئذ لا يلزم من ثبوت القبلية و البعدية وجود معروضهما فى الخارج بل عدمه فكيف يستدل بهما على وجود الزمان.
اذا عرفت هذا عرفت اندفاع الجوابين و اتجاه أن يقال للشارح: معروض القبلية و البعدية على ما صرحت به أجزاء الزمان و هى معدومة فى الخارج فكيف يدلان على وجود معروضهما. أو يقال: معروض القبلية مغاير لمعروض البعدية لانهما لا يجتمعان. فلو كانا موجودين فى الخارج لزم اشتمال الزمان على الاجزاء بالفعل و إنه محال.
و الحاصل: أن القبلية و البعدية لكونهما اعتباريتين لا يدلان على وجود معروضيهما بل ليس يجوز أن يوجد معروضا هما فى الخارج.
و الجواب: أن المراد بالمعروض هاهنا هو متعلقهما لا محلهما فان محلهما جزء الزمان المعقول لا الموجود فى الخارج أى ما يعرض القبلية و البعدية بسببه فانهما إنما يعرضان للامتداد العقلى بسبب الامر الغير المستقر الوجود. فاطلق المعروض على سبب المعروض مجازا. و الى هذا المعنى أشار فى فصل سبق المحدث بالمادة حيث قال: الامكان من حيث انه متعلق بامر خارجى يستدعى لا محالة موضوعا موجودا فى الخارج كما مضى فى التقدم بعينه. م
قوله «أما نفس القبلية فليس هو من الموجودات» حاصل الجواب أن القبلية أمر اعتبارى لا وجود لها فى الخارج، لكن لها اعتباران:
أحدهما: من حيث عروضها لاجزاء الزمان بحسب الذات. و حينئذ لا يكون فى زمان آخر.
و الثاني: من حيث ذاتها فهى توجد فى الذهن. و وجودها فى الذهن يكون فى زمان. فيكون له قبلية اعتبارية بهذا الاعتبار. فالقبليات لا يتسلسل بل ينقطع بانقطاع الاعتبار. و فى قوله: لا يتسلسل