إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣٤٨
قوله «انا نجد عند الاكل» تقريره: انا لا نسلم أن الجوهر العاقل لو ادرك الأشياء على ما هى عليه كان تلتذ به.
قولهم: لان ادراك الأشياء على ما هى عليه ملائم له و كمال و اللذة هى ادراك الكمال.
قلنا: امثال هذه المباحث لا يستقيم بالعناية و التفسير فانا نجد عند الاكل و الشرب و الوقاع حالة مخصوصة هى اللذة و تميزا بينها و بين ساير الاحوال النفسانية من الغضب و الخوف، و نعلم أيضا أن القوة الذائقة و اللامسة قد ادركت من المطعوم و المشروب و المنكوح كيفية ملائمة لكن لا ندرى أن تلك الحالة المخصوصة هى نفس هذا الادراك او غيره. و لا يظهر ذلك الا ببرهان ثم ان هاهنا ما يدل على أن اللذة لا يجوز أن يكون نفس الادراك فان النفس قد يكون عالمة قبل الموت بهذه المعلومات و لا تلتذ بها.
فان قلت: ربما يمنع استغراق النفس فى تأثير البدن عن حصول اللذة فنقول: لما كان الادراك نفس اللذة فلو حصل الادراك و كان هناك شىء مانع عن حصول اللذة لزم ان يكون مانعا عن حصول الشىء بعد حصوله و ان عنيتم ان اللذة مغايرة للادراك فلا يلزم من حصول الادراك للنفس اللذة لجواز ألا تكون النفس مستعدة للذة و ان كانت قابلة للادراك.
و الجواب عن الأول: انا لما استقرينا احوالنا وجدنا عند ادراك كل ملائم و نيله حالة مخصوصة يعبر عنها باللذة. فنحن نعلم بالضرورة ان كل ما حصل لنا ادراك الملايم و نيله يحصل لنا اللذة سواء كانت نفس ذلك الادراك و نيله، او حالة اخرى لازمة لهما و هذا كاف فى اثبات الحالة المخصوصة للعقل و لا يضر المناقشة فى العبارة.
و عن الثاني: ان النفس اذا ادركت المعقولات و نالتها من حيث هى كمال وجب التذاذها بها و انتفاء الالتذاذ بسبب فقدان قيد من هذه القيود. م