إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ١٥٩ - النمط السادس فى الغايات و مباديها و فى الترتيب
قوله «و لا يمكن أن يقال ان تحريكها للسماء لداع شهوانى» لما بين فى التنبيه المقدم أن للافلاك نفوسا تحركها أراد أن يبين الغاية من تحريكها.
فنقول: لما كانت حركة الفلك ارادية فالمراد اما محسوس أو معقول أى غير مدرك بالحس.
فان كان محسوسا. فاما ان يطلبه للجذب أو يطلبه للدفع. و جذب الملايم هو الشهوة، و دفع المنافر هو الغضب. و هما محالان على الفلك.
اما اولا فلان الشهوة و الغضب لا يكون الا فى جسم متغير من حال غير ملائم الى حال ملائم.
و الفلك بسيط متشابهة الاحوال.
اما ثانيا فلان حركة الفلك غير متناهية و الشهوة و الغضب الى غير النهاية لا يتصور.
و اما المراد المعقول فهو معشوق لان دوام الحركة الارادية يدل على فرط المحبة، و فرط المحبة هو العشق. و حينئذ اما أن يريد نيل ذاته، أو نيل صفاته، أو نيل شبه ذاته و صفاته. لان العاشق الطالب اذا لم يطلب ذات المعشوق و لا صفاته و لا شبه ذاته و لا شبه صفاته فهو لا تعلق له اصلا بالمعشوق. فما فرض معشوقا لا يكون معشوقا. فقد ظهر انحصار الاقسام فى الثلاثة اعنى ذات المعشوق أو صفته أو شبه ذاته أو صفته. و القسمان الاولان باطلان لان المطلوب اما أن يحصل فى الجملة أولا يحصل أبدا و أيا ما كان يلزم احد الامرين: إما طلب المحال، أو وقوف الفلك. و هو محال. فتعين أن يكون الحركة لنيل شبه بالمعشوق. فلا بد ان يكون للفلك معشوق موجود و هو يطلب التشبه به. فالمطلوب اما أن يكون نيل الشبه المستقر أى شبها واحدا دائما باقيا فيلزم أحد الامرين، او يكون نيل الشبه الغير المستقر أى شبها بعد شبه بحيث يحصل شبه و يقتضى شبه آخر. و لا يخلو اما أن ينحفظ نوعه بتعاقب الافراد أو لا ينحفظ. و الثاني باطل و الا لزم وقوف الفلك. فاذن المطلوب شبه محفوظ النوع بتعاقب افراد غير متناهية. فهذه المتشابهات الغير المتناهية مع المعشوق اما من حيث انه براءة من القوة أى فى صفات الكمال، أو من حيث انه بالقوة أى فى صفات النقص و الثاني محال فيكون المطلوب حصول المتشابهات الغير المتناهية مع المعشوق فى صفات كمال غير متناهية: فيكون للفلك معشوق موصوف بصفات كمال غير متناهية و هو العقل.
فان قلت: لا حاجة الى التقسيم المذكور الى المعقول و المحسوس بل يكفى أن يقال: لما كانت حركة الفلك ارادية فمراده لا بد أن يكون معشوقا. و حينئذ اما أن يكون حركته لنيل ذاته أو صفته أو شبهه. الى آخر الدليل.