إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٢٧٥ - النمط السابع فى التجريد
قوله «هذه حجة ثالثة» حاصلها أن القوة العاقلة تدرك نفسها و ادراكاتها و آلاتها، و كل قوة لا تدرك الا بالآلة لا تدرك نفسها و لا آلاتها لامتناع ان يتوسط الآلة بين الشىء و نفسه، و بين الشىء و ادراكاته، و بينه و بين الآلة. ينتج أن القوة العاقلة ليست لا تدرك الا بالآلة. و يمكن أن يوجه بقياس استثنائى فيقال: لو كانت القوة العاقلة لا تدرك الا بالآلة لما عقلت نفسها و لا ادراكاتها و لا آلتها لكنها تعقل نفسها و ادراكاتها و جميع ما يظن به أنه آلتها كالقلب و الدماغ.
قال الامام: هاهنا مطلوبان: احدهما: أن القوة العاقلة غير جسمانية، و الاخر: أن فعلها ليس يتوقف على تعلقها بالجسم. و الحجة المذكورة لا يفيد شيئا منهما. أما الأول فلان من الجايز أن يكون القوة العاقلة عرضا حالا فى البدن، و يكون متعلقا بنفسه و بساير المعلومات. و يعنى بهذا التعلق النسبة الخاصة المسماة بالشعور و الادراك فلا يجب أن يكون القوة العاقلة التي تعقل نفسها و آلتها بلا واسطة الآلة غير جسمانية. و أما الثاني فلانا ان سلمنا أن القوة العاقلة مجردة لكن لم لا يجوز أن يكون شرط إمكان اتصافها بالعلوم و التعقلات تعلقها بالبدن؟. و ما ذكرتموه لا يبطله.
و أقول: قد تبين مما مر أن الأول ليس بمطلوب هاهنا فان الكلام فى تجرد النفس سبق فى النمط الثالث، و اما الثاني فالحجة ظاهرة الدلالة عليه. غاية ما فى الباب انها لا تدل على أن جميع التعقلات ليس بالآلة و هو غير مطلوب. و المطلوب ليس الا أن تعقلها فى الجملة بلا واسطة الآلة و قد دلت الحجة عليه.