إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٨٦ - النمط الخامس فى الصنع و الابداع
احدهما: ان المقدمتين القائلتين بان القبلية ليست نفس العدم و لا ذات الفاعل لا دخل لهما فى اثبات ان معروض القبلية امر غير قار و ذلك ظاهر. نعم يمكن ان يقال: ان ايرادهما لدفع توهم أن القبل هو العدم او ذات الفاعل اذ هما قبل الحادث.
و ثانيهما: انه يمكن توجيه الدليل بوجهين:
الأول: ان وجود الحادث بعد ان لم يكن، له بعدية بالقياس الى قبلية و ليست تلك القبلية كقبلية الواحد على الاثنين بل قبلية لا يجتمع مع البعدية. و القبلية التي لا يجتمع مع البعدية لا تكون الا زمانية فيكون قبل كل حادث زمان.
الثاني: ان الوجود الحادث بعد أن لم يكن، له قبل. و ذلك القبل امر غير قار يتجدد و يتصرم و هو الزمان.
فلما كفى فى الاستدلال عدم اجتماع القبلية و البعدية، أو تجدد القبل و تصرمه فالجمع بينهما فى الاستدلال يستلزم استدراك أحدهما لا محالة. و قد علم من هذا أنه لو لا ايراد المقدمتين لما احتيج إلى إثبات القبل بالذات؛ بل يكفى فى البيان وجود القبل فى الجملة. م
قوله «و اعلم ان الزمان ظاهر الانية» أراد أن يبين أنه لم وسم هذا الفصل بالتنبيه و الفصل الاخر بالاشارة. فقال: ان الزمان ظاهر الانية خفى الماهية: أما أنه خفى الماهية فظاهر، و أما أنه ظاهر الانية فان ساير الناس يجزمون بوجوده حتى قسموه الى الساعات و الايام و الاسابع و الشهور و السنين.
فان قلت: هب أن الزمان مطلقا ظاهر الانية الا أن وجود الزمان قبل كل حادث ليس بظاهر و هو المطلوب من الفصل. فما هو ظاهر الانية ليس بمطلوب من الفصل، و ما هو المطلوب من الفصل ليس بظاهر الانية، فالانسب التعبير عن الفصل بالاشارة.
فنقول: كون الحادث مسبوقا بزمان ظاهر أيضا فان الحادث ما كان ثم كان. و ليس معناه الا أن هناك زمانا كان موجودا فيه ثم زمانا آخر كان فيه فان. لفظة كان مشعرة بالزمان على ما سيصرح به الامام فى اعتراضه بعد ثم لا مكان أن يقال: كان معدوما، أو كان اللّه تعالى موجودا بين أن ذلك ليس نفس العدم و لا ذات الفاعل و الا فلا احتياج فى التنبيه اليه.
هذا حاصل الدلالة المذكورة و هو فى غاية الجلاءان تعقل. م