إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٨٤ - النمط الخامس فى الصنع و الابداع
نفس القبلية.
اذا تمهد هذا فنقول: وجود الحادث بعد ان لم يكن بعدية بالقياس الى قبلية فلا بد من معروض القبلية بالذات. و لا شك أن معروض القبلية بالذات يستحيل أن يكون معروض البعدية. فمعروض القبلية لا يكون نفس العدم. لان العدم لو اقتضى لذاته القبلية لا يكون بعد ذات الفاعل و الا لم يصر معا و بعد. فتعين أن يكون معروض القبلية بالذات أمرا مغايرا لهما. و عروض القبلية للعدم لا ينافى ان يكون معروض القبلية بالذات مغايرا له لجواز أن يكون عروض القبلية للعدم بواسطة ذلك المعروض حتى أنا استدللنا على وجود ذلك المعروض بعروض القبلية للعدم. و اذا ثبت أن معروض القبلية أمر مغاير فهو غير قار؛ بل هو متجدد متصرم لان ذلك القبل يمتد الى الازل، و كل جزء يفرض منه يكون سابقا على جزء آخر فان القبلية التي من سنتين يكون قبل القبلية التي من سنة فهناك قبليات و بعديات متصرمة و متجددة. و لكن ربما يمنع كون ذلك فى بادئ النظر. فالشارح فرض الحركة بطريق التمثيل حتى يتبين ذلك. و الا لم يكن فى الاستدلال اليه حاجة. ثم ذلك القبل يحتمل التقدير، و الزيادة و النقصان لان قبل زيد الى نوح مثلا اطول و أزيد الى موسى فيكون مقدارا.
و الحاصل ان لمعروض القبلية بالذات خواص:
إحداها: انه يمكن ان يكون له اجزاء فان قبل زيد الى نوح يمكن ان ينقسم و يقال قبل زيد الى عمرو مثلا ثم الى بكر ثم الى خالد ثم الى نوح. و هذا يظهر غاية الظهور فى الحركة التي فرضها الشارح. فان قبل الحادث الى ابتداء الحركة ينقسم الى قبله الى ربع الحركة، ثم الى نصفها، ثم الى ثلاثة ارباعها.
الثانية: ان تلك الاجزاء لا يجتمع معا؛ بل كل جزء يفرض فهو قبل بالقياس الى اجزاء، بعد بالقياس الى آخر.
الثالثة: انه يقبل التقدير. فالقبل بالذات كم لاحتماله التقدير، متصل لقبوله الانقسام الى اجزاء، غير قار الذات لعدم اجتماع اجزائها فى الوجود. فهو الزمان فلا يقال: انه الحركة لان الحركة ليست بكم فى ذاتها لعدم قبولها التقدير فى نفسها اذ لا يقال: حركة طولى بل حركة فى زمان اطول او فى مسافة اطول؛ نعم هذا الامتداد لما كان غير قار الذات لا يكون الا بحيث يكون تغيرا لا يقع دفعة بل تدريجا و هو الحركة فيكون الزمان مقدار الحركة لا من كل وجه؛ بل من حيث عدم الاستقرار.
بقى ان يقال: لما كان هذا الامتداد لا يجتمع اجزائه فى الوجود لم يكن موجودا ضرورة انه لو كان موجودا لاجتمع اجزائه فى الوجود. فلا يكون الزمان موجودا.