التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٤ - جيم - التأكيد على الحرية
وقد عبّر هذا النوع من الامن (امن المؤسسات) أفلاطون بقوله: «ان على الحذّاء ان يكون حذّاء فقط وليس ملاحاً ايضاً، وعلى الفلاح ان يبقى فلاحاً وليس قاضياً في الوقت ذاته، وعلى الجندي ان يكون جندياً وليس تاجراً كذلك. اما اذا حضر الى المدينة الفاضلة عبقري عالمي يستطيع بحكمته ان يقوم بأيّ عمل فيجب ان يطلب منه ان يغادرها» ويضع أرسطو الفكرة ذاتها في قالب آخر حين يؤكد على ان العدل هو وضع يبقى فيه كل امرئ في نطاق الوظيفة التي أوكلت اليه [١].
جيم- التأكيد على الحرية:
عندما بدأ النظام الاقطاعي في الاضمحلال فان الحاجة تغيرت، وكذلك تطوّر القانون- يقول باوند: عندما بدأت اهيمة الفرد تنمو في مجتمع دائب على الاستكشاف والاستعمار والتجارة، اصبحت الحاجة الاجتماعية الى ضمان عمل الافراد بحرية، في المجالات الجديدة للنشاط الانساني التي كانت تتفتّح باستمرار، اكثر الحاحاً من تلك الناجمة عن المحافظة على المؤسسات الاجتماعية التي يطبق فيها نظام الواجبات المتبادلة ويحافظة على العلاقات الناتجة عن تلك الواجبات [٢].
ويضيف: وهكذا لم يخش الناس من الاحتكاك، واهدار الموارد والطاقات، نتيجة لخروجهم من الاماكن المخصصة لهم، بل كانت الخشية من محاولات إبقاءهم في امكانهم من خلال وسائل ابتكرت للوفاء بحاجات نظام اجتماعي مختلف، فيضيقون بالقيود التعسفية المفروضة عليهم، ولا يستخدمون قدراتهم في اكتشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، وتبعاً لذلك، فقد اعتبرت غاية القانون على انها تحقيق اكبر قد ممكن من تأكيد الفرد لذاته واثباتها بحرية [٣]. وهكذا جاء القانون «لإتاحة اكبر قدر ممكن من هذا التأكيد الحرّ في عالم يزخر بالموارد غير المكشتفة والارضي غير المستصلحة. والقوى الطبيعية غير المستعملة» ولقد تشكّلت هذه الفكرة الأخيرة (كغاية للقانون) في القرن السابع عشر، وسادت في فترة القرنين التاليين ثم بلغت ذروتها في الفكر الفقهي للقرن
[١] - المصدر ص ٤٩.
[٢] ١- المصدر ص ٥١.
[٣] ٢- المصدر ص ٥١..