التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٥ - أولا الحق بين الموضوعية والذاتية
الطبيعة، أم الحق حق لأن الناس يعتبرونه حقاً. أو لأن ارادة الشرع (القانون) يعتبره كذلك؟
حين نقول الحق ظاهرة ذاتية (حسبما يزعم المذهب الوضعي) فان الحقوق تتناقض لأن المصالح تختلف ورؤية الناس عنها ليست متفقة.
ولكن اذا توصلنا الى هذه النتيجة ان الحق ظاهرة ثابته، سواء عرفها الانسان أم لا، رسّمها القانون أم لا، فان الوضع يختلف لأننا آنئذ سنكون أمام حقيقة واحدة لا تتغير، ويمكن اكتشافها والتحاكم اليها وجعلها محوراً للوحدة، لا علّة للفرقة.
وفي بحوث سبقت قلنا: ان الحق ظاهرة موضوعية، ولا فرق- أذاً- بين ان نقول ان السماء والارض والجبال والاحياء حق. وبين ان نقول: ان حاجة الانسان الى الطعام والسكن والجنس والحرية حق.
وتجتمع جملة حقوق لأبناء المجتمع فتصبح موضوعاً للقانون، الذي ينظمها على اسس معينة. وحقوق الافراد الطبيعة جزء من وجوداتهم، وحياتهم وشخصياتهم وطموحاتهم (وهي كلها وقائع ثابته وحقائق قائمة لا ريب فيها) وتتكوّن منها جمعاً المصلحة العامة .. فالمصلحة العامة ليست حقيقة موضوعية مختلفة عن مجموع حقوق الافراد. فهي عدد ألمأة التي ليست سوى لمأة عدد (١- ٢- ٣ و ..).
وبهذا التفسير لكلمة المصلحة العامة لا تصبح حقوق الافراد ضحية لها، ولا تصبح المصلحة العامة طريقاً جديداً للديكتاتورية.
ويرتفع بذلك النقد الموجّه الى المصلحة العامة، من قبل البعض حيث يعبّر عن هذا النقد (باتيفول) بالقول: «الاحداث المعاصرة جعلتها موضع شك من قبل الكثيرين، إذ بدت لهم وكأنها تشق الطريق للديكتاتورية بالاهتمام الذي اخذت بمصالح المجتمع المعارضة لمصالح الفرد» [١].
ويضيف: «فاذا كان هدف الخير العام، يتمتّع بأولوية مطلقة وبقيمة ذات غاية قصوى، فكيف يمكن منع المجتمع من التضحية بالافراد» [٢].
[١] - فلسفة القانون ص ٩٩ وينقل ذلك عن (فالين).
[٢] - المصدر..