التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٩ - ٢/ الاهداف القريبة أو المطلقة
ومن هنا كان المشرع يعمل باستمرار بغايه تحقيق هدف قريب أو فوري، كتجنب خطر ماثل، أو اضطراب اكيد، أو حاجة صريحة. وحتى عندما يتناول الموضوع توقّعات بعيدة المدى فان الاتفاق يتمّ على نتيجة اقرب، حينما يكون ذلك ممكناً، فالقوانين التي الغت تدريجياً حق إلاشراف الذي منحه القانون المدني الى الوالدين على زواج اولادهم البالغين، تستند الى اعمال تحضيرية تميط اللثام بايجاز، عن اتفاق عام في الرأي العام المعاصر، حول حرية زواج البالغين، كان هذا القريب كافياً، دون تحقيق لاحق لابراز مفهوم الاسرة ودورها. أما مبدأ الزواج من امرأة واحدة، فهو مقبول حتى في مؤلفات القانون المدني دون التساؤل عن أسبابه الموجبة [١].
ولكن يبدو ان هذه الادلّة وسواها، لا تقوى على الميل الفطري العنيف عند الانسان لمعرفة الحقائق المطلقة وتنظيم حياته وفقها. والاهداف البعيدة التي لا تعرف الا ببحوث عميقة تهدف وعي الحقائق الكبرى.
ثم ان اثارة هذه الاهداف لجدل كبير، تزيدنا اصراراً على التعمق فيها، لأنها موضع اهتمام الناس، ولن يكون شيء كذلك الا لأنه هام ومفيد.
ثم ان ترك ما يهتم به الناس ويبنون عليه حياتهم، نوع من الاستهانة برأيهم. اما لو ان مشرعاً اقام نظامه القانوني على اساس فلسفة معيّنة، وبيّن للناس ذلك، كان الناس احراراً في القبول بتلك الفلسفة والقانون القائم على اساسها، أو رفضها معاً، وليس في ذلك من الديكتاتورية شيء.
مضافاً الى ان طبيعة القانون هي الاخرى- كما فلسفة القانون- محور اختلاف الناس فهل نترك البحث فيها ايضاً.
من هنا لم يلق هذا الموقف تأييد جميع المفكّرين إذ ظلّ البحث عن الاهداف المقبولة يشغل اذهانهم [٢].
والسبب في ذلك- حسب باتيفول- انه قد يثار الاعتراض على هدف مقبول بشكل عام في ظروف يتم التساؤل هل ما زال يستحق متابعته، وما هي بالتالي قيمته. [٣].
[١] - فلسفة القانون ص ٧٦.
[٢] ١- فلسفة القانون ص ٧٦.
[٣] ٢- المصدر ص ٧٧..