التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٦ - القانون بين ضغط المجتمع وارادة المشرع
العدالة فيه، وهي- بالتالي- ذات النتيجة التي ارادها المذهب الطبيعي في القانون [١].
القانون بين ضغط المجتمع وارادة المشرع:
وهنا يجدر بنا ان ندرس العلاقة بين الارادة والتشريع، فهل التشريع ظاهرة اجتماعية محضة ولا دخل لارادة المشرع فيها؟ أم هو مجرد ارادة لا أثر للعوامل الاجتماعية فيها؟ أم هو مزيج من الأمرين؟
لا ريب ان التشريع وليد التواصل بين الارادة والمؤثرات معاً، فلا احد من علماء الاجتماع ينكر ايّ دور للارادة في التشريع (ولكنهم يقلّلون من اهميتها) كما ان اتباع المذاهب الاخرى (الإرادية والصورية أو الطبيعية) لا ينكرون دور المؤثرات الاجتماعية بوجه الإطلاق ولكنهم لا يأبهون بها، لأنهم يزعمون ان ذلك الدور ضئيل.
ولكن يبدو ان القوانين تختلف، فمنها ما هو صنيعة المجتمع، بصفة رئيسية، ولا تقوم ارادة المشرع الا بدور ثانوي انفعالي، مثل قوانين الزواج في المجتمعات التقليدية المحافظة، فان المجتمع بما له من اعراف وقناعات، هو الذي يختار أبعاد هذه الظاهرة، بينما القانون يؤطرها ويبلور ارادة المجتمع في صيغ محددة. كذلك قوانين الاقتصاد في مجتمع منفتح وبالذات في لحظات التحوّلات الاقتصادية الكبرى (مثلًا بداية العصر الصناعي في أوربا أو مع طلائع المهاجرين الى أميركا) عندئذ ترى المشرع يلهث وراء المجتمع الذي يندفع الى الأمام بوتيرة متصاعدة. أما في مجتمع محافظ، وبالذات عندما تتصل طلائع المتّففين فيه، بحضارة ناهضة (مثلًا في التقديم اوربا مع النهضة الاسلامية، واليوم بلادنا مع النهضة الاوربية) فان المشرع يقوم بدور مزدوج، بعث الفكرة الحضارية من اجل إصلاح المجتمع بها، ثم ترسيم هذ الفكرة في صورة قوانين، بينما ترى ذلك المجتمع يتلقّى وينفعل ويتأثر، وهكذا يكون دور ارادة المشرع اكبر من دور المجتمع. ويفسّر هذا الامر ظاهرة نقل القوانين من بلد الى بلد. فكثيراً ما يستورد القوانين الوضعية من بلد
الى ما يناقضه، دون أن يؤثر ذلك فجوة كبيرة. كما كان يظنّ «منتسكيو» في كتابه الشهير «روح الشرائع». وحسبما يقول (باتيفول): ان ظاهرة قبول احد الأنظمة القانونية في البلد الذي يقتبسه من بلد
[١] - راجع فلسفة حقوق ص ٢٤٧..