التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٥ - نقد المدرسة التاريخية
المزيد من التجارب الثمينة للامم، بل وتمتاز هذه المدرسة بالاهتمام بالعرف. وتلك القواعد التي يؤمن بها الناس ويقضون بها في امورهم. علماً بأن الحياة ذاتها منظومة من المحاكمات والدعاوي والاحكام بالرغم من انها ليست دائماً تعود الى قاعة المحكمة ويقضي فيها القضاة حسب القوانين الرسمية. فالاهتمام بهذه التجارب في وضع القوانين وفي تنفيذها يساهم في قربها من العدالة وكذلك في سهولة تطبيقها.
وتأتي اهميّة العرف من بعدين:
أولًا: ان الناس هم بشر عقلاء وان فطرتهم- عادة- سليمة وفيها من المبادئ الاخلاقية ما ينفعنا لوعي الحقائق.
ثانياً: ان تجارب الامم التي يختزلها الناس، في امثلة واعراف، فتصل المتغيرات والقيم التي تميزهم عادة عن بعضهم والتوجه الى هذه التجارب يجعلنا نقترب من واقعيات حياتهم في تشريع القوانين.
وهذا هو الذي جعل الدين قد اهتم بالعرف وجعله معياراً لمعرفة حقائق كثيرة [١].
وحسب ما يقوله (هنري مين) الذي يعتبر رئيس المدرسة التايخية في بريطانيا: ان القانون الذي يوضع من قبل الحاكم السياسي ويخالف الاعراف المتجذرة يعتبر أداة عبثية لا تثمر تطوراً [٢].
ولكن هذه المدرسة تنطوي على نقاط سلبية كالتالية:
١- اعتبر القانون عملًان لا ارادياً، ينبع من عمق المجتمع وبصورة تدريجية، وعلى المشرع ان يكتشفه كما يكتشف الفلاح نبع ماء من تحت الارض. بينما الحقيقة: ان القانون تشريع إرادي قائم على اساس العقل والارادة والمثل العليا، كما وانه يتأثر بالظروف والضغوط والمتغيرات المختلفة.
ومن هنا فأن الغاء سائر المؤثرات في وضع القانون، يعتبر خطأ كبيراً. إذ قد نجد ان القانون يؤثر في المجتمع، ويخلق عرفاً، وخلقاً اجتماعياً لا العكس.
ألم تر كيف يبعث الله رسولًا الى امة فاذا استجابوا له تغيرت حياتهم بصورة كبيرة.
[١] - يراجع الجزء الثاني من هذا الكتاب في موضوع العرف ص ٢٥٣/ ٢٥٩.
[٢] - فلسفة حقوق ص ١٠٢..