التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - وكلمة أخيرة
لكي يرحم ولكن ما هو سبيل رحمة الله؟ انه العبادة فلكي تكتمل رحمة الله لعباده عليهم ان يعبدوه وهكذا جاء في آية كريمة أخرى:
«وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين لو أردنا ان نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنّا ان كنّا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق ولكن الويل مما تصفوه» [١].
وهكذا لا يجوز ان نتّهم ربّ العزة والعظمة الحكيم العليم بالعبث سبحانه. انما خلق الخلق بالحق وهكذا يجري الحق على العباد طوعاً أو كرهاً، فما هو ذلك الهدف؟ ان يبلغ الانسان الكمال بحسن اختياره. فليس الكمال والتسامي غاية الخلق، من دون الحرية والانتخاب، بل من خلال الانذار والتبشير وبعث الرسل وتواتر الكتب وكثرة التجارب ونضج البشر، واخذه بالبأساء والضراء، لكي يتضرّعوا وتتكامل رؤيتهم، وينمو علمهم وتتحسّن اخلاقهم ولعل التعبير بالعبادة، في الآية الكريمة [٢]، للدلالة على ان مراد الله تكامل البشر بحريتهم وسعيهم وبذل الجهد من قبلهم، وليس بصورة آلية من دون وعي، أو سعي، أو ارادة حرة.
وفي تفسير هذه الآية عبر السنة الشريفة تأكيد على هذه البصيرة حيث روى أبو بصير عن الامام الصادق- عليه السلام- في تفسير قوله عزّ وجل: «وما خلقت الجنّ والانس الا ليعبدون» قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة. قال (أبو بصير) وسألته عن قوله عزّ وجل «ولا يزالون مختلفين ألا من رحم ربك ولذلك خلقهم». قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم [٣].
وجاء في حديث آخر مأثور عن الامام الحسن بن علي- عليه السلام- قال:
ان الله عزّ وجلّ بمنّه ورحمته لمّا فرض عليكم الفرائض، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه اليه بل رحمة منه لا إله إلا هو [٤].
وخرج الامام الحسين بن علي- عليه السلام- على اصحابه فقال: أيها الناس ان
[١] - الأنبياء/ ١٦- ١٨.
[٢] - الذاريات/ ٥٦.
[٣] - موسوعة بحار الأنوار ٥ ص ٣١٤.
[٤] - المصدر ص ٣١٥..