التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٤ - ٣/ المذهب الأبيقوري
عن لذة الصداقة (تلك الللذة الصافية المتجددة دوماً) ودون ان يؤذي احداً (مما يجنبه التعرض للانتقام)، ودون ان يجسد احداً .. كما يجب ان يتحمل الالم (انه يدوم ابداً ويمكن محاربته بأسلوب مدروس قائم على استحضار الذكريات السعيدة). وعلى أيّ حال فأن الحكيم يستطيع دائماً هجر الحياة إذا اصبحت لا تطاق ( «كما يغادر غرفة اصبحت مليئة بالدخان») ما دام الموت ليس امراً يبعث على الخشية.
ولكن المشكلة التي غابت عند أبيقور واصحابه: ان جماح اللذة عن البشر، لا يكبحه سوى الايمان بالآخرة، لذلك تجد النتائج الخطيرة لهذه النظرية، حيث اصبحت شعاراً لكل الفساق والمستهترين بالقيم، والخارجين على القانون وحسب غريغوار:
يتّضح لنا مما سبق ان «ابيقور» يصل بالنتيجة الى إحياء الفضائل التقليدية: التعفّف، والصداقة، والشجاعة، والخ .. ولكن هذه الحكمة العذبة والعقلانية (والتي تقوم ميزاتها الرئيسية على تذكير الناس بأن الالم يتوقف، بنسبة كبيرة، على التقدير الذي نضعه نحن ذاتنا للأشياء) كان من نصيبها انها ( «لاقت من النجاح بسبب مقدماتها اكثر مما لاقته بفضل نتائجها») على حدّ تعبير «ريفو» .. بل واصبح المفهوم غالباً مما يعنيه الانضمام الى الابيقورية (بالنسبة لروما مثلًا) البحث المنهجي الامثل عن المتع السهلة [١] ..
بالاضافة الى ذلك فان الابيقورية تضرب في المثالية حتى الاعماق. حيث انها تفرض وجود حياة هادئة وبسيطة، ورجال حكماء، يقدّرون مستوى الالم ومستوى اللذة. ويقدرون ايّهما أعظم.
(وهذا- بالطبع- عملية صعبه ومحفوفة بسوء التقدير غالباً). كما ويستطيعون ضبط اهواءهم بإرادة صلبة.
[١] - المصدر ص ٩٢- ٩٣..