التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - ٤/ الافلاطونية الجديدة ونقدها
(التعفّف، العدالة الخ ..) التي تطهر الروح بتحريرها إياها من الروابط المادية. ثم الحياة التأمّليّة بعدئذ، أي البحث في داخل الذات بواسطة «العين الداخلية» عن الحضور الإلهي، وهو بحث صادر عن وحي جمالي اكثر منه عن وحي عقلي، لأن الجمال يشكل- بحسب «افلوطين»- الانعكاس الارضي للخصب الحي واللامتناهي للخير ويدل عبر المادة على «النظام» أي «الاحد» الذي يصدر عنه الجمال. ونصل اخيراً (لأن هذه المرحلة ليست سوى تأهيل للحياة الالهية) نصل الى الوجد [١].
وبالرغم من عدم وجود قيم حياتية واضحة لهذا المذهب الا انه- لا شك- قد القى ظلالًا على سائر المذاهب الفلسفية، وبالذات المذاهب الصوفية، التي وجدت في مدرسة افلوطين تبريراً مناسباً لافكارهم، وبالرغم من ان التصوف (تحقير الدينا والزهد فيها) قد وجد تبريراً له في اكثر من مذهب فلسفي، مثل المدرسة الكلبية التي بررت الزهد والمدرسة البيرونية (٣٠٠ ق. م) التي اعتبرت الكون وهماً، واستنتجت من ذلك قيمة الامبالاة بالرغبات، الا ان المدرسة الافلوطينية التي نسبها المسلمون خطأ الى افلاطون، كانت ذات اثر بالغ على الفكر الفلسفي عندهم، وبالذات المذاهب العرفانية والصوفية، وقد شرحنا ذلك بتفصيل في كتابنا: العرفان الاسلامي ونقدنا هذه المدرسة من البعد النظري ولكن لا يمنعنا ذلك من الاشارة الى نقد الجانب العملي هنا:
اولًا: اساس مدرسة افلوطين قائم على نظرية الفيض التي ترى ان العلاقة بين الخالق والكائنات هي العلاقة بين الشمس وشعاعها، والبحر وقطراته.
وهي نظرية باطلة اذا انها تكفر بقدرة الخالق على الخلق، وبأي علم وتدبير له (اذ النظرية ترى ان صدور المخلوق من الخالق يتم بغير إرادة منه، وحتى بغير وعي) وتكفر بقدرة الله على تغيير الكائنات وعلى اعادتها بعد فنائها (البعث).
وهي اساساً مجرد فرضية لا دليل عليها، بل ادلّة الوجدان تهدينا الى خلّاقية الرب، وما للكيته وعلمه وقدرته سبحانه.
وهكذا نجد في الكائنات، آيات المخلوقية والمعبدودية، وتهدينا تلك الآيات الى انها كائنات مخلوقة، وليست من ذات الالوهية، كما تهدينا الى ان خالقها خلوّ عن صفاتها.
[١] - المصدر ص ٤٦/ ٤٧..