التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٦ - ٢/ مدرسة أرسطو ونقدها
والإله [١] ... اللّذان يوجدان منفردين. ولكن المجتمع- تلك الظاهرة الطبيعية- ذو غاية واضحة ودقيقة: وهي تنمية الفضيلة لدى اعضائه، ولذلك فان جميع الدساتير التي تميل الى تدعيم «العقل بدون الهوى» لدى الفرد صالحة [٢].
وهكذا يظهر دور العقل في الحقل الاجتماعي، انه مقياس الفاضل ولكن السؤال: كيف نحقق مجتمع العقل عملياً وهو مجتمع «الديمقراطية المعتدلة» الذي يفضّله أرسطو حيث تعتدل الثروات في انسجام صحيح، وكذلك الامر بالنسبة للكفاءات، كما هو بالنسبة للرغبات الخاصة. وهذه نتيجة منطقية لهذا التأمل الاخلاقي الذي يشكل (بحسب تشبيه استخدمه أرسطو ذاته بشأن العدالة) قاعدة، ولكنها «قاعدة رصاصية» قابلة للتشكلّ بحسب كل قالب من قوالب الجزئيات الانسانية (فتتغيّر حسب الظروف المختلفة)، كما انها رمز لما يجب ان تكون عليه الحياة الاصيلة: أي التناسب المعقول بين النظام الكلي وبين المحل الذي يشغلهُ فيه الانسان تبعاً لطبيعته النوعية [٣].
٣- اما كيف يصل ارسطو الى هذه النتائج؟ فهو ينطلق من عقيدته بوجود نظام أعلى يجذب اليه الانسان بالحب وكأنّ الحب هو الدافع نحو تطبيق العدل والعقل.
«فليست الحقيقة خارج عالمنا، ولكن تحت أبصارنا، في الكائنات وفي الاشياء الارضية .. غير ان ذلك لا يعني ان هذه الاشياء والكائنات خالية من النظام ومن المعنى فالكون يبدو لارسطو كطبقات (مستويات) من الواقع ينتظمها تسلسل عظيم الاتساع تبطنه وتوجهه «تمتصه» حركة جامعة نحو الكمال. وكل فرد مزدوج التكوين، فهو مركب من «مادة» (هي قدرة على التغيير غير محدودة ومبهمة) ومن «صورة» (وهي ميل الى التنظيم والتحقيق البنياني للميزات الطاقيّة للمادة). ويستند كل مستوى من مستويات الواقع هذه الى السابق، مشكلًا، في الوقت نفسه، قاعدة للمستويات التالية، وهكذا يرسم الكون سلماً مستمراً يرتفع من حدّ الى حدّ نحو المستويات العليا. واخيراً فان هناك صورة الصور (الإله، أو المحرك الاول، أو الخير، أو الخ ..) التي تكون ذروة
[١] - نظراً لاعتقاد الفلاسفة اليونان بتعدّد الإله فان مرادهم من الإله ليس رب الأرباب بل الموجود الاعلى القريب من معنى الملك عندنا.
. [٢] - الصدر ص ٤٢.
[٣] - المصدر..