من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٢ - أولئك حزب الله
أجل إعلاء كلمة الحق، وهم حزبه بحق وصدق.
وأهم ما يميز حزب الله هو تجرد أفراده للحق تعبدا لله، وتسليما لرسوله عن قناعة ثابتة ورضا، فإنك لو فتشت في قلوبهم، وسلوكاتهم السياسية، وحتى الاجتماعية لما وجدت أثرا لتولي أعداء الله في حياتهم أبدا، لأن تحزبهم مخلص له وحده تعالى، لا يتنازلون عن هذه القيمة الأساسية، ولا يساومون عليها أحدا مهما كان قريبا منهم، لوعيهم العميق بدور التولي في تحديد شخصية الإنسان، وهويته الحقيقية، وانتمائه، كما قال الله لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمان قناعة وتوحيد، أو يوقنون بالحساب والجزاء وَالْيَوْمِ الآخِرِ إنك لا تجد من هذه صفتهم؛ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فذلك شرك وكفر لا تقبله نفوسهم المؤمنة بالله، وذنب عظيم يخشون غضب الله عليهم بسببه في الآخرة، والحال أنهم يبحثون عن السعادة والفلاح فيها. وبالنظر إلى الآية من زاوية أخرى يكون المفهوم أن الذي يتولى أعداء الله أو يحبهم ليس من المؤمنين، وأن أهم العوامل التي تدفع المنافقين ومرضى النفوس إلى الإقدام على ذلك هو شكهم في الله والجزاء، وكفرهم بهما، وأنهم استبدلوا الإيمان بالله بالشرك والكفر، والدنيا بالآخرة. أما المؤمنون الصادقون (حزب الله) فهم يتولون ربهم وخلفاءه من القيادات الرسالية، ويمنعهم إيمانهم به وبالآخرة أن يتولوا من حاده.
وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ لأنهم لا تعمل العواطف ولا الضغوط في شخصياتهم وسلوكاتهم ومواقفهم، إنما يبحثون عن الحق ويطبقونه، وعن القيادة الكفوءة المحقة فيوالونها، وعن التجمع الرسالي فينتمون إليه، ويسُخرِّون كل إمكاناتهم من أجل ذلك، لا تأخذهم في الله لومة لائم. ولا ريب أن ذلك أمر تصعب دونه التحديات التي تحتاج إلى الإرادة القوية، والتوفيق من الله، ولذلك أكد القرآن بالقول أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ أي أثبت الله الإيمان في نفوسهم، لما وجده فيهم من الأهلية، حيث تجردوا له وللحق من كل شيء سواهما. والإيمان الذي يكتب في القلب هو الأهم والأرسخ والأصدق من الذي يظهر في الجوارح.
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ فاجتمعت فيهم ثلاث قوى: (إرادتهم+ قوة الإيمان+ تأييد الله)، فإذا بهم ينتصرون على التحديات، ويخرجون من أمتن الصِّلات وأعمق الانتماءات تجذرا (الصلة بالآباء والأبناء والإخوان، والانتماء إلى العشيرة والوطن والقومية) إلى الانتماء الرسالي والصلة بالحق وأهله. ويبدو أن هذه الكلمة تعاكس تلك التي ذكرت في صفات المنافقين من أن الشيطان استحوذ عليهم فأنساهم ذكر الله، فهناك لا تجد ذرة من الاستقلال والعزة والإرادة، ولا تجد هنا شيئا من التراخي والضعف والذل، وليس الفاصل بينهما إلا الإيمان الحق برب العزة.