من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - هذا نزلهم يوم الدين
و ..، والقرآن يصرح بهذه الحقيقة حينما يحدثنا في سورة الحاقة عمَّن يُؤتى كتابه بشماله إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة: ٣٣- ٣٧] ولأنهم كانوا في الدنيا متخمين على حساب ملايين الجائعين من حولهم، دون أن يشبعوا من التهام الحرام، يسلط الله عليهم الجوع حتى أنهم ليملؤون بطونهم من الزقوم على ما فيه من العذاب، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه واله يصفه
«وَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ وَالضَّرِيْعِ قَطَرَتْ في شَرَابِ أَهْلِ الدُّنْيَا لمَاتَ أَهْلُ الدُّنْيَا مِنْ نِتَنِهَا»
[١]، وحينما يبلغ طعامها بطونهم يجدون الحاجة الملحة إلى الشراب بما لا يمكن التصبر عليها، فلا يجدون إلا الحميم فيشربون طمعا في ري ظمئهم، وإطفاء التهاب الزقوم واستعاره في أمعائهم.
فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ ولكنهم لا يشربون قليلا ويكتفون أو يتوقفون، إنما يشربون كالرمال التي لا تروى، أو كالإبل التي ضربت في الصحراء هائمة (لا تدري إلى أين) [٢]. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ قالوا: الهيم الإبل العطشى التي لا تروى لداء يصيبها، وقيل: الهيم الأرض السهلة ذات رمل (التي لا يستقر عليها الماء) ويقال لكل ما لا يروى من الإبل والرمل أهيم [٣]. ومن هذه الآية عكس الإمام الصادق عليه السلام حكم الكراهة في الشرب بنفس واحد. قال أبو بصير رضي الله عنه: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول
«ثَلَاثَةُ أَنْفَاسٍ أَفْضَلُ فِي الشُّرْبِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ، وكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُتَشَبَّهَ بِالهِيمِ» [٤].
[٥٦] وإلى جانب هذا العذاب والسابق ذكره (الآيات ٤٢- ٤٤) ألوان كثيرة ومريعة من العذاب المؤلم المهين تصب كلها على أصحاب المشأمة في النار. هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ قالوا: النزل القِرَى الذي يُقدَّم للضيف، وكأنهم ضيوف وقِرَاهم هذا النوع من الطعام والشراب، وقال بعضهم: النزل هو أول الطعام والشراب الذي يستقبل به الضيف.
أما المؤمنون فإنهم يفدون دار ضيافة الله فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٩]، كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٧- ١٠٨]. ولك أن تقارن بين المنزلين أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ [الصافات: ٦٢]؟.
[١] روضة الواعظين ج ٢ ص ٥٠٦، إرشاد القلوب: ج ١ ص ١٠٦.
[٢] المنجد: مادة هيم.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١٧ ص ٢١٥.
[٤] تهذيب الأحكام: ج ٩، ص ٩٤.