من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٤ - ولقد يسرنا القرآن للذكر
كذبوه أهلكهم الله بالريح، وهذا نذير آخر لنا يسوقنا إلى التصديق بالرسالة.
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً وهي الريح شديدة البرد، وذات الصوت الرهيب، عن علي بن إبراهيم [١]، وأصله الصرير، وعن أبي بصير قال: قال أبو جعفر عليه السلام
«فَإِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَنْ يُعَذِّبَ قَوْماً بِنَوْعٍ مِنَ العَذَابِ أَوْحَى إِلَى المَلَكِ المُوَكَّلِ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا قَالَ فَيَأْمُرُهَا المَلَكُ فَيَهِيجُ كَمَا يَهِيجُ الأَسَدُ المُغْضَبُ، قَالَ: ولِكُلِّ رِيحٍ مِنْهُنَّ اسْمٌ»
[٢]، والذي يجعل الريح ذات أثر أعمق أنها أرسلت في يوم رفع الله عنه الرحمة فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ دائم، بدأ في الدنيا بثمانية أيام حسوما، ولكنه يمتد إلى الآخرة حيث العذاب المقيم، وإنما أرسل الله عليهم الريح تقتلعهم من الأرض لأنهم تكبروا على الحق، وتحدوا هودا وربه، وجحدوا بالآيات، فكانوا يتصورون أنهم باقون وأنه لا غالب لهم، قال تعالى فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت: ١٥- ١٦]، ويشير هذا النص القرآني إلى الفكرتين المتقدمتين وبالربط مع قوله تعالى سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [الحاقة: ٧]، نفهم أن مُسْتَمِرٌّ صفة للنحس وليس لليوم، لأن اليوم ينقضي ويأتي آخر غيره، في حين بقي النحس عاملًا مشتركاً مستمراً.
أما ما قيل من أن النحس مختص ببعض الأيام كالأربعاء أو الثالث عشر من كل شهر فإنه بعيد لأن الأقدار ليست مرهونة بالأيام، بل بعمل الإنسان فردا ومجتمعا، فاليوم الذي يطيع الله فيه ويعمل صالحا هو يوم خير وبركة ويمن، سواء في الدنيا حيث الشعور بلذة فراغ الذمة وأداء الواجب، وجلب التوفيق، أو في الآخرة حيث يرقى به درجة من الرضا والجنة، وهكذا اليوم الذي تتنزل فيه رحمة الله وآلاؤه مبارك وسعيد، كيوم أنزل المائدة على بني إسرائيل وحواري عيسى عليه السلام، وليلة أنزل القرآن على نبيه التي هي خير من ألف شهر، وفي المقابل يكون يوم المعصية يوم نحس، يقطع عن صاحبه التوفيق، ويجعله عرضة لسخط ربه في الدنيا والآخرة.
أترى كيف صار عقر الناقة سبباً لدمار أمة برمتها؟.
قال سويد بن غفلة: [دَخَلْتُ عَلَيْهِ (يعني الإمام علي عليه السلام) يَوْمَ عِيدٍ فَإِذَا عِنْدَهُ فَاثُورٌ [٣]
[١] نور الثقلين: ج ٥ ص ٤٠١.
[٢] الكافي: ج ٨ ص ٩١.
[٣] يقال هم على فاثور واحد أي على مائدة واحدة، ومنزلة واحدة. الصحاح للجواهري: ج ٢، ص ٧٧٧.