من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - ولقد يسرنا القرآن للذكر
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ وعدم ذكر الداعي هنا- هل هو الله، أم إسرافيل، أم جبرائيل، أم الروح؟- يدل على أن المهم الدعوة وما تنطوي عليه، وليس شخص الداعي، لذلك أُبهم، وفي ذلك من الترهيب الشيء العظيم، ثم إنه تعالى زاد الأمر رهبة حينما جعل المدعو إليه مجهولا، فقال شَيْءٍ والشيء نكرة، والإنسان مجبول على الخوف من المجهول، وأخيرا جاءت صفة الشيء تفيض رهبة وزجرا وتخويفا بتأكيدها على أن الشيء منكر، وأصله أن يرد على الإنسان ما لا يتصوره ويستسيغه، وقيل للذنوب والخطايا منكرات لأنها يمجها عقل البشر ووجدانه ولا يستسيغانها.
[٧- ٨] وإذا كان الإنسان في دار الامتحان قادرا على الإعراض عن دعوة الله وعدم إجابة داعيه، فليس لأنه يغلب الله بمعصية أو يعجزه هربا من عقابه، كلا .. وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأحقاف: ٣٢]، أما في يوم القيامة فإنه تسلب حريته، ويخلص الملك والحكم لله الواحد القهار، فلا مجال لأحد أن يتمرد على أمره أو يرفض دعوته يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طه: ١٠٨]، هنالك يُبدَّل تكبر المعرضين والمكذبين ذلة وهوانا خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ خشوع صغار وندامة يعكس عمق المذلة في نفوسهم.
يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ والأجداث هي القبور، وحيث تُبعث البشرية بجميع أجيالها التي تعاقبت على الأرض يصير العدد عظيما، بحيث يركب بعضهم على بعض
«فَأَحْسَنُهُمْ حَالًا مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً ولِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً»
[١] كما يقول الإمام علي عليه السلام، والقرآن يشبِّه الناس في حشرهم بالجراد حينما ينتشر، أي يتكاثر بأعداد هائلة في مثل حالات البلاء، فهو حينئذ كثير متراكم، والقرآن هنا يقدم الحديث عن حالتهم خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ على خروجهم من القبور، لأن بيانها هو هدف السياق من ذكر القيامة، وهو يمضي يحدثنا عن حال الذين أعرضوا وكذبوا واتبعوا أهواءهم بدل أن يتبعوا الدعاة إلى الله عز وجل مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قال صاحب التبيان: [والاهطاع الاسراع في المشي، ... يهطعون إلى الداعي بالإلجاء والإكراه والإذلال] [٢]، وقال الزمخشري: [مسرعين مادي أعناقهم إليه، وقيل ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم] [٣]، قال الراغب: [هطع الرجل ببصره إذا صوَّبه، وبعير مهطع إذا صوب عنقه] [٤]، والذي يبدو أن الله قطع الكلمة عن الإضافة، فلم يقل مهطعي رؤوسهم مثلًا، وذلك
[١] بحار الأنوار: ج ٧، ص ١١٣.
[٢] تفسير التبيان للطوسي: ج ٩، ص ٤٤٦.
[٣] الزمخشري، الكشاف: ج ٤، شرح ص ٣٧.
[٤] مفردات غريب القرآن: ص ٥٤٣.