من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - أم للإنسان ما تمنى
عقولهم في سجن الدنيا، وهذه من معضلات الإنسان أنه يصنع لنفسه سقفا من العلم، ويُكِّبل عقله بأغلال الهوى وإصر الشهوات عن الانطلاق في رحاب العلم والحق، وصدق الإمام علي عليه السلام حيث قال
«وكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ» [١].
ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وهذه الآية تؤكد أن الإيمان بالآخرة حجر الزاوية في تفكير الإنسان المؤمن. ولكي يتم إعراض المؤمن عن الجاهلين يحتاج إلى أمور أهمها
١- العلم بأنهم على باطل، وقد بيَّن القرآن ذلك حينما أكد أنهم لا يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ثم ضرب أمثلة على ذلك كموقفهم من الملائكة، وكفرهم بالآخرة، وتوليهم عن الذكر.
٢- اليقين بأنهم ضعفاء في المحصلة النهائية بخسرانهم الآخرة.
٣- المعرفة بأن حساب الناس ليس من مسؤوليات المؤمنين، إنما الله يفصل بينهم، ويعلم المهتدين والضالين.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى إذن فغلبة الضالين على المؤمنين عند الجدال أو عدم غلبة المؤمنين عليهم لا يغيِّر من الواقع شيئاً، فأهل الباطل هم أهل الباطل وأهل الحق هم أهله، ذلك أن كلام الناس ليس مقياسا، إنما الحق والباطل هما المقياس بذاتهما.
ثم إن الخلافات- حسبما نستوحي من الآية الكريمة- لا تحسم في الدنيا لأنها لم تخلق لذلك، وكما قال الله وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود: ١١٨]، والدار الآخرة هي محل الحسم والجزاء، فلا ينبغي للمؤمن أن يكون جبارا على الناس يحاول إكراههم على الهدى إن أوتي السلطة عليهم، كما لا ينبغي عند ضعفه أن يهلك نفسه إذا ما تولوَّا عن دعوته.
كما نستوحي من كلمة عَنْ سَبِيلِهِ في الآية أن في الحياة سننا وقوانين، وهي السبيل إلى الحق، وهذه يعلمها الله ويحاسب عليها، يضل عنها جماعة فيصيرون إلى الباطل والعذاب، ويهتدي إليها آخرون يصيرون إلى الحق والسعادة، والسبب أن الفريق الأول ينكر هذه الحقيقة، في حين يؤمن بها فريق المهتدين فيبحثون عنها، فإذا وجدوها طبَّقوها، وكيَّفوا حياتهم وفقها، وتجاوزوا الأخطاء والضلال.
[١] نهج البلاغة: حكمة: ٢١١.