من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٤
وقد اختتمت الآية الكريمة باسمي العزيز والحكيم، لأن لحاق الآخرين بمسيرة الأمة الإسلامية، وامتداد الرسالة فيهم عبر الزمن، مظهر لهذين الاسمين، إذ يُعز الله بهم دينه بين الأمم في سائر الأزمان، وتتجلى فيهم عزته بين الناس، كما أن من حكمته أنه لم يجعل امتداد المؤمنين برسالته في المجتمع المعاصر للرسول وحسب، إنما جعله عبر الأجيال والأزمان أيضاً ليبقى مشعل الحق يحمله اللاحقون بعد السابقين، تتوسع بهم الأمة وتستمر مسيرتها.
ومن تجليات اسم الحكمة لربنا العزيز أنه لم يخص الجيل المعاصر للرسول بفضل الإسلام بل جعل الآخرين شركاءهم في الفضل بقدر درجاتهم الإيمانية ومساعيهم الحميدة، وهو القائل كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨].
[٤- ٥] وتنتظم الآية الرابعة في هذا السياق لتلغي أي تصور محدود عرقي أو قومي للرسالة بأنها تخص أهل مكة أو العرب فقط، مؤكدة أن الهداية إلى الحق مكرمة إلهية يهبها الباري لمن يشاء من خلقه ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ أما اللغة واللون والحسب وسائر الصفات والمقاييس المادية فليست فضلا بذاتها حتى يفتخر العربي على العجمي، أو الأبيض على الأسود، أو ذو القرابة على البعيد، كلا .. وحيث يختص هذا الفضل بالله عز وجل وهو صاحب الخيرة الذي لا يُسأل عما يفعل فليس لأحد أن يدَّعي اختصاصه به من دون الناس، كما صنعت اليهود والنصارى، واختلقت لذلك ألوانا من الفلسفات الشركية التي تُصَوِّر الله مغلولا أو رهن إرادات خلقه، سبحانه عما يصف المشركون.
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ في إنقاذ الناس من الجاهلية والضلال المبين إلى نعمة الطهارة والعلم والهدى وليس ما زعمه البعض في تحليله للتغير الحضاري الذي حدث في تاريخ شبه الجزيرة بأنه راجع إلى حالة من التكامل الطبيعي الذي يقع عند الأمم، كلا .. بل هو فضل إلهي، وينفي قوله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ أن التاريخ ليس بالضرورة في مسيرة هابطة، كما زعم البعض اعتقادا منهم أن الجيل الأول يكون أبدا أفضل الأجيال، كلا .. إن ربنا ذو فضل عظيم، فأي جيل في أي عصر وفي أي بقعة اتجه إلى الله عمَّه الله بفضله الكبير.
وهذه الآية من جهة أخرى مدخل لانعطاف السياق نحو الحديث عن اليهود، الذين زعموا أن فضل الله (رسالته ورسله) خاص بهم، ولم يتحملوا مسؤولية الرسالة، إنما راحوا يتشبثون بالقشور، وجعلوا مجرد اختيار الله لهم لرسالته فضلا، يفتخرون به، ويتهربون باسمه من الالتزام بمسؤولياتهم .. بلى؛ إن رسالة الله فضل عظيم، ولكن أحدا لا يبلغ الفضيلة والكرامة بها إلا بالعمل وتحمل المسؤولية، أما أن يكتفي العرب بمجرد أن الرسول كان منهم، وأن الآيات تنزلت بينهم، فإنه أمر خطير ينتهي بهم إلى ما انتهى إليه اليهود من قبلهم فصاروا كما وصف الله